غزة | لم يمضِ أكثر من ثلاثة شهور على ما سمّاه الغزيون «مجزرة الرواتب»، حينما قررت السلطة الفلسطينية خصم نسب تصل إلى 30% من رواتب موظفيها في قطاع غزة، حتى أعاد رئيس السلطة محمود عباس تهديده بإكمال الإجراءات المتخذة ضد القطاع، وصولاً إلى رفعه من كشوف الدفع لدى حكومة «الوفاق الوطني» التي تقول إن «فاتورة غزة» تكلفها نحو نصف موازنتها.


وفي الطريق إلى ذلك، بات أسلوب التقاعد الجبري هو المعتمد لتمرير سياسة تخفيض النفقات، إذ إنه ما دام من الصعب فصل الموظفين وقطع رواتبهم كلياً، إلّا لدواعٍ أمنية أو أخلاقية أو فساد مالي كما ينص القانون، تبقى إحالتهم على «هيئة التأمين والمعاشات» هي الحل الأمثل!
ولئن طاول ذلك الموظفين العسكريين بداية، فإنهم منذ عشر سنوات لا يعملون في أيّ مقر أمني، لأن من عمل منهم تحت إمرة وزارة الداخلية في غزة فُصل مباشرة، فيما كان الخيار المتاح للمدنيين أحد اثنين: إما الجلوس في البيت وتسلّم الراتب (حالياً مخصوم منه علاوة العمل وباقي العلاوات)، وإما العودة إلى المدارس والمستشفيات وأي وزارة أو هيئة «غير سيادية». واللافت أن عودة هؤلاء كانت تتضمن إرسال غزة كشوفاً بأيام غيابهم وساعات تأخيرهم لتخصم عليهم رام الله، أي إنه حتى في عزّ الخلاف بين حركتي «حماس» و«فتح»، كان الطرفان ينسّقان معاً للخصم على الموظفين!
وبينما لم تتضح معالم تهديدات عباس الأخيرة وتطبيقاتها العملية، يدور الحديث عن إحالة الموظفين المدنيين على التقاعد جبراً، مع أن عدداً منهم لا يزالون يعملون في الوزارات والمؤسسات الحكومية في القطاع. ووفق أرقام تقديرية، فإن أكثر من 6 آلاف موظف مدني من أصل 58 ألفاً (مجمل العسكريين والمدنيين الغزيين الذين يتقاضون رواتبهم من رام الله)، باتوا في دائرة الاستهداف، لكن الحساسية الكبرى تمسّ قطاعي التعليم والصحة.
في هذا السياق، عبّرت وزارة الصحة في غزة عن خشيتها من أن يطاول القرار 3700 موظف يعملون لديها من أصل 9549 موظفاً (الفرق بين الرقمين هم من وظّفتهم «حماس» منذ 2007). وهؤلاء الذين يشكلون نحو 39% من إجمالي موظفي الصحة، 26% منهم أطباء وكوادر استشارية وتخصصية، و24% من الكوادر التمريضية، أي من الفئات التي يصعب تعويضها بسرعة.
إلى جانب موظفي الصحة، ثمة نحو أربعة آلاف معلم وإداري في قطاع التعليم. وإن كان يسهل استبدال هؤلاء، لكن فقدان كمّ كبير من الموظفين ذوي الخبرة سيضع «حماس» أمام سيناريو سبق أن اختبرته حينما خلت المدارس والمستشفيات والوزارات عام 2007 من الموظفين فجأة، وبات عليها الاستعانة بكوادر غير مؤهلين من جهة، وأوائل الكليات من جهة أخرى، لإدارة العمل.
ومن الناحية القانونية، يجري ترسيم هذا المشروع رئاسياً بمرسوم صادر عن عباس في تموز الماضي، خلال جلسة لمجلس الوزراء عقدت في رام الله، لكن من دون تفاصيل واضحة حول طبيعة الموظفين الذي سيحالون على التقاعد وأعمارهم، أو متى سيطبّق هذا القرار، وهل سيكون بالتدريج أم لا. لكنّ موظفي رام الله في غزة تسلموا قسيمة راتب تقاعدي من دون حصولهم على بلاغ خطي رسمي بقرار إحالتهم، وهو ما قد يجعلهم يحصلون على ما دون نصف الراتب الشهري.
هذا التخوف والترقب عبّر عنهما نقيب الموظفين العموميين في السلطة في غزة، عارف أبو جراد، الذي قال إن قسيمة الراتب الخاصة بالمدنيين قد تصل إلى 40% أو 50% من قيمة الراتب الشهري، بخلاف العسكريين الذين أُحيلوا على التقاعد بنسبة 70% من راتبهم، وهو ما يشكّل عبئاً مادياً إضافياً على الموظف «الواقع ضحية تجاذبات سياسية».
من جهة ثانية، رأى رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، سامي صرصور، أن إحالة هذا الكمّ من الموظفين على التقاعد فيه «خروج عن صلاحيات المجلس التشريعي، لأن القانون يعطي رئيس السلطة الصلاحية ضمن حدود وأوقات معينة، خاصة أنه لا توجد الآن ضرورة ملحّة تدفعه إلى مثل هذه الإجراءات ضد القطاع، في ظل أن الحديث يدور عن تخفيض نفقات!». وأكد صرصور أنه في القاعدة القانونية الأساسية يجب أن يطبّق ما يجري «على جميع المواطنين في كل زمان ومكان، أي من دون التمييز بين الضفة وغزة، وإلا فإن ذلك تمييز يطاول القطاع وحده، وهو ما يخالف القانون وينفي صحة ما حُكي عن أسباب الأزمة».
وكانت حكومة رام الله قد بدأت تنفيذ سلسلة قرارات موسعة بحق أهالي غزة، وذلك باستقطاع ثلث رواتب الموظفين وقطع مخصّصات 277 من الأسرى المحررين وإحالة موظفيها العسكريين كافة على التقاعد، لكن الأخطر ــ وفق مصادر تحدثت إلى «الأخبار» ــ أن الإجراءات المقبلة قد تطاول موظفي مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى إلى حدّ إغلاقها، وذلك تحت ذريعة الضغط الأميركي والإسرائيلي بوقف التحريض.
وعملياً، مع أن السلطة تتذرع بـ«تفرّد حماس» في حكم غزة، وتبدي انزعاجها من التواصل مع القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان، فإن الإجراءات الأخيرة تمتد جذورها إلى الخطة التقشفية لرئيس الوزراء السابق سلام فياض عام 2011، التي كان من أهم بنودها إحالة الموظفين على التقاعد المبكر لتخفيض العجز في موازنة السلطة، وفق نص الخطة، التي كان من المفترض أن تشمل مناطق عمل السلطة.
إلى ذلك، أكد أبو جراد أن غداً سيكون أول أيام ستنظّم فيها «نقابة الموظفين» وقفات احتجاجية أمام «الهيئة العامة للتأمين والمعاشات» تضامناً مع الموظفين المنوي إحالتهم على التقاعد، حتى عدول السلطة عن قراراتها الأخيرة بحقهم، خاصة أنهم يرون أن المواطنين هم المتضرر الأساسي، في ظل أن «حماس» يمكنها في كل الأحوال أن تعوّض الموظفين وتزيد عدد ساعات عمل الكادر الحالي.