مع سيطرة المسلحين على مخيم اليرموك، لم يجد محمد، الموظف لدى إحدى مؤسسات الدولة، بديلاً أفضل من النزوح وعائلته بعيداً عن الموت، الذي كان يقترب يوماً بعد يوم من حارته... لكن النزوح إلى أين؟

العائلة التي حملت معها بعض الثياب على عجل، كانت أمام خيارين: إما البحث عن منزل للإيجار في إحدى ضواحي دمشق الآمنة كما فعل آلاف السوريين، وهذا خيار يحتاج إلى وقت وجهد مضن، أو التوجه نحو أحد الفنادق الشعبية في العاصمة والإقامة فيه إلى حين العودة ثانية إلى المخيم، الذي كان آلاف النازحين منه يعتقدون أن العودة إليه لن تطول سوى لبضعة أيام أو أسابيع.

درست العائلة الخيارين والتكلفة المادية المترتبة على كل منهما، فكان قرارها في النهاية أن الإقامة في الفندق هي الأفضل لاعتبارات متعلقة بمزايا السكن في قلب العاصمة في مثل هذه الظروف، رغم أن ذلك سيكون على حساب مساحة مكان الإقامة، من منزل مستقل ومنافع خاصة إلى غرفة واحدة ومنافع مشتركة، إلا أن الحسم السعري الذي حصل عليه محمد عبر أحد معارفه وخدمات الفندق الاعتيادية جعلا العائلة مطمئنة إلى صوابية خيارها.
في ساحة المرجة ومحيطها وسط دمشق، تزدحم عشرات الفنادق السياحية المصنفة من فئة النجمتين والنجمة الواحدة بالعائلات النازحة بعيداً عن المعارك وأصوات الرصاص، مشكّلة بذلك مجتمعاً مصغراً عن سوريا، إذ تضم تلك الفنادق القديمة التي يعود تاريخ بعضها إلى عدة عقود سابقة، عائلات من مختلف المحافظات السورية، لا سيما الشرقية منها.
هذه الفنادق شكلت أيضاً ملجأً للكثير من السوريين الذين يقصدون دمشق من مختلف المحافظات لإنجاز بعض المعاملات الإدارية أو مراجعة مؤسسات الدولة أو للعلاج في المستشفيات، ويتعذر عليهم العودة في اليوم نفسه أو يضطرهم إلى الإقامة عدة أيام.
إلا أن اللافت والمثير للسخرية أن العديد من هذه الفنادق التي فتحت أبوابها لاستقبال النازحين السوريين، تحمل أسماء عواصم ومدن ومنظمات عربية، إما أن دولها تورطت في تأجيج الأوضاع السورية وشجّعت السوريين على قتل بعضهم بعضاً، أو أنها أغلقت أبوابها أمام السوريين الراغبين في اللجوء إليها هرباً من القتال والموت. فمثلاً توجد في منطقة السنجقداaر فنادق تحمل الأسماء الآتية: الجامعة العربية، العربي السعودي، الدوحة، القاهرة الكبيرة، الوحدة العربية وغيرها، وليس ببعيد عن تلك المنطقة يمكن للزائر أن يلمح في منطقة سوق الهال القديم لوحة لفندق تحمل اسم الرياض الجديد، أما في ساحة الحريقة الشهيرة فتوجد فيها فنادق: الدوحة، الكويت، العربي... وغيرها. وفي ساحة المرجة أو ساحة الشهداء كما تسمى رسمياً، تحضر فنادق تحمل أسماء: البحرين، الاتحاد العربي، الرافدين، وليس ببعيد عنها يقع فندق يحمل اسم الدار البيضاء.
ولا تقتصر الأسماء على العواصم والمدن العربية، فهناك فنادق اختار أصحابها أسماءً لشخصيات ومواقع مستوحاة من تاريخ بعض الدول العربية، فمثلاً هناك فندق حمل اسم رمسيس الأول، وآخر اقترن بقناة السويس، وثالث ارتبط بالأهرام.
وتبعاً لإحصائية خاصة أجرتها «الأخبار»، فإن هناك في العاصمة دمشق ما يقرب من 120 فندقاً من مستوى نجمتين وما دون، معظمها يتركز في مركز المدينة ومحيطها، إضافة إلى وجود نحو 20 فندقاً من مستوى ثلاث نجوم. أما إحصائيات وزارة السياحة التي حصلت عليها «الأخبار»، فتشير إلى أن عدد السوريين الذين نزلوا في جميع الفنادق العاملة ومن مختلف المستويات، خلال العام الماضي، تجاوز مليون مواطن سوري، فيما لم تتجاوز نسبة الإشغال في الفنادق العاملة أكثر من 30% خلال الفترة نفسها.

حسومات كبيرة

يدفع محمد يومياً بعد الحسم الذي حصل عليه نحو ألفي ليرة للفندق، أي ما معدله شهرياً 60 ألف ليرة، وهو مبلغ بالكاد يكفي إذا حالفه الحظ لاستئجار منزل لا تتعدى مساحة 75 متراً في أي مكان من العاصمة، مشيراً إلى أن عائلته «راضية عن وضعها الحالي مقارنة بأوضاع عائلات كثيرة، وبمستوى النظافة والخدمات المقبولة التي يقدمها الفندق».
في المقابل لا تنكر الفنادق الشعبية أن إشغالاتها التي وصلت إلى أكثر من 80%، وقامت على استقبال العائلات النازحة والمواطنين القادمين إلى دمشق من المحافظات الأخرى، أنقذتها من الإغلاق والخسارة نتيجة انهيار قطاع السياحة، وهذا ما دفع بالكثير منها إلى إجراء بعض الإصلاحات الضرورية لتأمين ما تحتاج إليه العائلات المقيمة من مرافق عامة، وتحديداً المطابخ المشتركة والحمامات. وبحسب عبد القادر الزوزو، عضو شعبة الفنادق في غرفة سياحة دمشق، وصاحب عدة فنادق، فإن «النزلاء المقيمين لهم سعر مخفض يدفع شهرياً وذلك حسب الغرفة ومدة الإقامة، وقد تصل نسبة الحسم أحياناً إلى نحو 40% من التسعيرة المحددة من قبل وزارة السياحة»، مضيفاً في حديثه إلى «الأخبار» أن «السعر لا يتضمن تقديم الفندق لأي وجبة غذائية، لا بل إن بعض الفنادق لا توفر سوى المشروبات بناءً على طلب النزلاء باعتبارها خدمات مأجورة».
ورغم ذلك، فإن طول فترة النزوح غير المتوقعة جعل الكثير من العائلات تعيد حساباتها وتخرج من الفنادق نحو المنازل المستأجرة لاعتبارات تتعلق برغبة العائلات في الاستقرار والاستقلالية في معيشتها، لا سيما العائلات الكبيرة العدد. ووفق ما يوضحه الزوزو، فإن «عدد العائلات المقيمة حالياً في الفنادق أخذ بالتراجع تدريجياً مقارنة مع السنوات الثلاث الماضية، فالعديد منها فضّل البحث والإقامة في منزل مستأجر».
لا تفرق وزارة السياحة في متابعتها لخدمات الفنادق بين «مهجر أو غير مهجر، هو في النهاية نزيل، ويجب أن يحصل على أفضل الخدمات وفق الترخيص الممنوح لهذا الفندق أو ذاك»، بحسب ما يؤكده المهندس مدير الخدمات السياحية في وزارة السياحة، زهير أرضملي، الذي يشير في تصريحه إلى «الأخبار» إلى أن «هناك جولات مستمرة على الفنادق لمتابعة أوضاع الخدمات والتأكد من التزامها بشروط التأهيل والتصنيف، وتسوية أوضاع الغرف المخالفة للترخيص، ومعالجة الشكاوى التي يتقدم بها النزلاء بشكل شخصي أو عبر الهاتف والرقم المخصص لذلك». إلا أن للفنادق أيضاً معاناتها التي تبدأ بالتسعيرة المحددة من قبل وزارة السياحة ولم تعد تناسب الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل، والضرائب والرسوم المفروضة عليها، لا سيما رسم الإنفاق الاستهلاكي، الذي يجري استيفاؤه حتى من الخدمات المقدمة للعائلات النازحة عوضاً عن دعمها ومساعدتها، وهنا يوضح المهندس أرضملي أن «وزارة السياحة، بالتعاون مع وزارة التجارة الداخلية واتحاد الحرفيين، تدرس إعادة النظر في التسعيرة لتكون متوافقة مع ارتفاع مستلزمات التشغيل كالمازوت والكهرباء وغيرها»، مضيفاً أن «الحسومات الممنوحة للعائلات المهجرة أمر يعود إلى الاتفاق المبرم بين الفندق والنزيل، فالعقد شريعة المتعاقدين».
في يوميات استقبال الفنادق المذكورة للعائلات النازحة أو المهجرة، والتي كانت قبل نحو عامين أكثر ازدحاماً، كثير من أوجه المساعدة التي قدمت للعائلات «المنكوبة» مقابل استغلال البعض وجشعه؛ فمثلاً أحد مستثمري الفنادق خصّص طابقاً كاملاً من فندقه لاستقبال المهجرين من معارفه أو المحتاجين مجاناً، وبغض النظر عن مدة إقامتهم، معتبراً ذلك «جزءاً من واجب السوري تجاه أخيه السوري في هذه الأزمة».