من العاصمة الإيرانية، طهران، حسم وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي سبب الحراك الدبلوماسي الذي تقوده بلاده لتقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي، أمس، أشار إلى أن الملك السعودي سلمان بن عزيز، وولي عهده محمد بن سلمان «طلبا، بشكلٍ رسمي، أن تلعب بغداد دور الوساطة من أجل تخفيف التوتر بين طهران والرياض»، مُعرباً عن «التزام بلاده الوقوف إلى جانب إقامة علاقات وديّة بين السعودية وإيران».


وأكّد الأعرجي، أمس، المقرّب من طهران، في لقائه بمحمد بن سلمان الشهر الماضي، «ضرورة احترام السلطات السعودية للحجاج الإيرانيين، والسماح لهم بزيارة البقيع (كُبرى مقابر المدينة المنوّرة)»، كمطلبٍ إيراني حمله إلى الرياض، كاختبار «حُسن نيّة» إزاء أيّ تطورٍ سيطرأ لاحقاً على العلاقات السعودية ــ الإيرانية.
تصريحات وزير الداخلية العراقي سبقتها تلميحات إعلامية خليجية عن دورٍ عراقيٍّ محتمل في «تصحيح العلاقة» مع إيران، و«إعادتها إلى سكّتها الصحيحة». ويرى مطلعون على سير عملية الوساطة أن ما يجري ليس إلا وجهاً آخر لـ«صراع قفازات دبلوماسية»، يحصرُ الصراع القائم في القنوات الدبلوماسية.


حظي العبادي بدعم من
واشنطن وطهران، ما سمح له ببعض الهوامش

هذا الحراك السعودي يفرض سؤالاً: ماذا تريد الرياض؟ يختصر مطلعون على العلاقة بين بغداد والرياض إجابتهم بالقول: إن «هدف الاستراتيجية السعودية، بالانفتاح على العراق، تقويض النفوذ الإيراني»، بعد تيقّن صُنّاع القرار السعودي أن «الكباش مع الإيرانيين» في العراق يجب أن يتّسم بـ«النعومة»، وأن «يتحوّل الخطاب من خطابٍ مذهبيٍّ طائفي، إلى خطابٍ عروبي، وتذكير العراقيين بجذورهم القومية». هذه الخطوة ستكون مقدّمة، حسب وجهة نظر الرياض، إلى خلق صراعٍ جديد داخل «البيت الشيعي»، المتحالف بمعظم شرائحه مع إيران. فالتناغم المستجد، مثلاً، بين زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر وقادة «دول الاعتدال العربي»، سيعزّز اختلاف وجهات النظر بين تلك الشرائح.
أسئلةٌ عدّة تُطرح على المعنيين في بغداد، والمطلعين على تفاصيل الوساطة العراقية: كيف انتُخب العراق «وسيطاً» ولماذا؟ وما هو الموقف الحكومي من ذلك؟
في حزيران 2015، وقّعت إيران مع دول «5+1» اتفاقها النووي. المقربون من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، يعتبرون الرجل شريكاً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين (طهران وواشنطن)، فهو يحظى بدعمهما، ويوازن علاقاته بين الإدارتين. لعب العبادي «دوراً كبيراً في تخفيف التوتر» بين إدارتَي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، والرئيس الإيراني حسن روحاني، وعمل على إزالة بعض «المخاوف» لدى الطرفين، وخصوصاً أنه مع إعلان واشنطن عن تشكيل «تحالفٍ دوليٍ لمكافحة تنظيم داعش» (أيلول 2014) خُلقت مساحة من التواصل غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، كان العراق بوابتها. وعلى مدى الأعوام الثلاثة الماضية، تتالت انتصارات القوات العراقية على «داعش».
حظي العبادي بدعم من واشنطن وطهران، ما سمح له ببعض الهوامش مكّنته من العمل على رسم سياسةٍ خارجيةٍ جديدةٍ لبغداد «تقضي بالتفاعل مع المحيط العربي، وإخراج العراق من أي اصطفافٍ إقليمي». ويلفت مطلعون على زيارة العبادي الأخيرة للولايات المتحدة، ولقائه بالرئيس دونالد ترامب، إلى أن «الأخير أبدى ارتياحه لإقامة علاقات متوازنة مع إيران، كما هي مع الولايات المتحدة»، دون انحياز بغداد لأيٍّ من الطرفين. فُسّرت الإشادة الأميركية، في أروقة رئاسة الوزراء، بأنها دليلٌ على نجاح الحكومة العراقية، وإمكانية «فرض لغة التوازن على الجميع».
كذلك، ساهمت حادثة إفراج إحدى المنظمات العسكرية عن المختطفين القطريين واحتجاز الحكومة العراقية «الفدية» المقُدّرة بمئات ملايين الدولارات، في الخيار السعودي في إعادة مدّ الجسور مع العبادي، إذ طلبت الرياض من الأخير في زيارته للسعودية أن يقرّبوا وجهات النظر مع الإيرانيين، في ظل ما نقل عن ابن سلمان قوله للعبادي «نتفهم علاقتكم مع إيران».
عملياً «لم يوافق الإيرانيون حتى الآن على الوساطة بشكلٍ صريح» وفق مقربين من العبادي، إلا أن المعطيات تشي بقبول طهران «تخفيف الاحتقان، وتقويم علاقاتها بالرياض». المطلعون على الوساطة، يؤكّدون توجيه الطرفين «رسائل حُسن نيّة... منها ما كان علنياً، ومنها ما هو تحت الطاولة»، إلا أن الهدف السعودي «كسب بغداد»، فـ«من يُعرض عليه لعب وساطة هدفه تقريبه من طالبها حتى لو تشدّد الطرف الآخر»، وفق مقربين من رئاسة الحكومة العراقية. تلميح الرسميين في بغداد إلى تمسّك طهران ببعض مواقفها المتشدّدة إزاء السعودية، يضعونه في إطار «قوّة الطرفين» وصعود «قوّة الوسيط»، باعتبار أن «أيّ تراجعٍ إيراني في مسألة العلاقات مع السعودية هو تناقض مع ثوابتها، كذلك هي الحال مع المملكة التي تعتبر تقاربها من إيران تناقضاً لسياستها»، لكن «الأمر الواقع»، بوصف مقربين من العبادي، يفرض على الطرفين التقارب.