إذا ما مضت دعوات إدخال تعديلات جوهرية على فلسفة الدستور ونصوصه إلى نهايتها، فإننا أمام تطور خطير في توقيته وتداعياته يضرب في جذر الشرعية ويسحب من رصيد الاستقرار ويشكك بأي أمل دفع المصريون ثمنه باهظاً للتحول إلى دولة ديموقراطية مدنية حديثة.


التوجه المعلن في كلام برلماني وإعلامي، كأنه أوركسترا بدأ العزف بها، للذهاب إلى استفتاء يمد الفترة الرئاسية إلى ست سنوات بدلاً من أربع، يعكس توجهاً آخر لإلغاء الانتخابات الرئاسية المقررة بعد شهور قليلة.
تلك رسالة باهظة السلبية على صورة بلد يحاول أن يتماسك أمام تحدياته وأزماته، وأن يجد لنفسه طريقاً سالكاً لمستقبل مختلف.
الترجمة الوحيدة، التي يفهمها العالم من تأجيل الانتخابات الرئاسية لسنتين، أن هذا البلد لا توجد فيه أي قواعد للحكم الرشيد، والعملية السياسية تعطلت بالكامل، وأن انقلاباً دستورياً قد جرى، ومسألة الشرعية في مهب الريح السياسي. أي كلام آخر، خداع للنفس قبل الآخرين. الدساتير ليست نصوصاً مقدسة، وتعديلها وارد عندما تتبدى ضروراتها، لكنها تفترض احترامها وإنفاذها قبل أحاديث التغيير.
إذا لم يكن للدستور قوة إنفاذه في القوانين فالكلام عن تعديله قبل تطبيقه يفقد البلد احترامه لنفسه.
في تبرير طلب التعديل أن الدستور وضع في ظروف غير طبيعية ــ حسب رئيس مجلس النواب. باليقين، لم تكن الأوضاع المصرية العامة طبيعية عند وضع دستور ٢٠١٤. الدولة كانت معلقة في الهواء، والرصاص يدوي في الشوارع. وباليقين، الأوضاع العامة الآن غير طبيعية بالنظر إلى الحرب مع الإرهاب وارتفاع الأنين الاجتماعي، وتجريف الحياة السياسية.
ما يؤسس للاستقرار احترام الشرعية الدستورية، أما التلاعب بنصوصه فنتائجه وخيمة كما حدث دائماً.
كان صدور الدستور بالأغلبية الشعبية الساحقة التي حازها، وما وفرته نصوصه من ضمانات وحقوق سياسية واجتماعية وثقافية واسعة بعضها غير مسبوقة، فضلاً عن إعادة صياغة الدولة على أسس حديثة تضمن التوازن بين السلطات، من الركائز الكبرى لرفع منسوب الثقة في المستقبل بوقت حرج ووضع الدولة على أرض شبه صلبة.
من ناحية أخرى، الدستور هو الإنجاز الوحيد لثورتي «يناير» و«يونيو»، والاعتداء على فلسفته وروحه عودة إلى الوراء ــ إلى حدود ٢٠٠٥ حين أجريت أول انتخابات رئاسية تعددية دون منافسة جدية، كأنها استعراض رجل واحد، أو استفتاء مقنع.
لا يصح لأحد نسيان أن الرئيس الراحل أنور السادات، عدّل عام 1980 في دستور 1971 حتى يتسنى له التمديد لرئاسته بلا سقف زمني، غير أن الذي استفاد من ذلك التعديل خلفه حسني مبارك، الذي امتد حكمه لثلاثين سنة جُمدت السياسة خلالها وتفشى زواج السلطة بالمال حتى وصلنا إلى ثورة «يناير».
بالتلاعب التالي في الدستور استحالت بعض مواده إلى شبه لوائح مفصلة للوريث المحتمل وتلخصت مطالب حركات الاحتجاج في تعديل المواد (٧٦) و(٧٧) و(٨٨) الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وضمانات الإشراف القضائي النزيه.
في آخر خطاب وجهه مبارك للشعب، أعلن موافقته على تعديل تلك المواد وغيرها، غير أن الوقت كان قد فات. تفصيل الدساتير لعنة تاريخية.
الأهم من ذلك كله ــ بالنظر إلى التاريخ المصري الحديث ــ أن الدساتير الأكثر أهمية وإلهاماً تخرج دائماً من عباءة الثورات. الثورة فعل استثنائي يهدم القديم ويؤسس لمستقبل آخر والانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية مسألة دستور يدمج قيم التغيير وأهدافه في نصوصه. إذا ضربت فلسفة الدستور، فإنها ثورة مضادة.
كذلك لا يصح لأحد نسيان أن الإنجاز الوحيد لثورة ١٩١٩ هو دستور ١٩٢٣، حيث لم يتحقق مطلبها الآخر في طلب الجلاء.
تعرض ذلك الدستور للانقضاض عليه عام ١٩٣٠ واستُبدل به دستور آخر ينزع عنه مكتسباته، غير أن الحركة الوطنية المصرية قاومت الانقلاب الدستوري حتى أسقطته. شيء من ذلك قد يحدث، كأننا لا نقرأ التاريخ. دساتير الثورات غير أي دساتير أخرى، فقد دفعت أثمانها مقدماً. وهذه قضية لها ما بعدها.
بالتعريف، الدستور عقد اجتماعي يؤسس للاستقرار بالتراضي العام. عندما يتراجع مثل هذا التراضي فإننا أمام مشروع اضطراب سياسي مؤكد. وقد كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية في آذار/مارس ٢٠١١ بالأجواء السلبية التي صاحبته، أول مؤشر على صدام كبير مقبل لا محالة بين القوى المدنية والجماعات الإسلامية التي سمّته «غزوة الصناديق». حصدت الجماعات الإسلامية، مدعومة من المجلس العسكري، نتائج الاستفتاء.
كلا الطرفين، لأسباب متباينة، اعتبر النتائج استفتاءً على شرعيته، وكان ذلك مقدمة لما تعرضا له من تقويض بصورتين مختلفتين.
لا شرعية دستورية تتأسس على فرض وإقصاء. وهكذا كان الأمر في الاستفتاء على دستور ٢٠١٢، الذي انفردت بوضعه جماعة «الإخوان» وحازت نحو ٦٤٪ في صناديق الاقتراع، غير أن الاستقطاب الحاد أفضى بالنهاية إلى صدام مروع وخروج بالكامل من مسارح السياسة.
بحكم الوقائع، لم يحدث مرة واحدة أن صوت المصريون بـ«لا» في أي استفتاء جرى. وبحكم النتائج، فقد كانت وخيمة بكل مرة والأثمان باهظة.
القضية ليست أن يمر أو لا يمر الاستفتاء بقدر مدى شرعية التعديلات والنتائج التي ستلحقها. وفق المادة ٢٢٦ من الدستور الحالي لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية والحريات والحقوق إلا بمزيد من الضمانات.
من ناحية إجرائية، إلغاء المادة المحصنة ممكن، لكن في استفتاء أول يعقبه استفتاء آخر على المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، وإلا تعرضت التعديلات ــ بغض النظر عن نتائج الاستفتاء ــ للطعن الدستوري. هكذا يؤكد فقهاء دستوريون.
هناك من يقول ــ تسويغاً للانقلاب الدستوري ــ إن مصر لا تحتمل إجراء انتخابات رئاسية كل أربع سنوات، فهل تحتمل إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشكيك في شرعية الحكم؟
ثم هل تحتمل استفتاءين بدلاً من استحقاق رئاسي واحد يحترم الدستور والنصوص التي انتخب الرئيس على أساسها؟
بقوة الأمر الساري، الرئيس صلاحياته شبه مطلقة، والبرلمان تهيمن عليه تقريباً السلطة التنفيذية، وائتلاف «دعم مصر» الذي يشكل أغلبيته يتبع ما يصدر إليه من توجيهات كزهرة عباد شمس.
ما معنى الكلام الكثير إذن عن القيود الدستورية على صلاحيات الرئيس إذا كان المجلس النيابي لم يشهد استجواباً واحداً لأي وزير، ولا اضطلع بواجبه في مسائل حساسة مثل ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية من دراسة واستبيان؟
هناك ضيق صريح بأمرين متلازمين: ثورة «يناير» والدستور، رغم أن الأولى جذر الشرعية، والثاني قاعدتها الصلبة.
الأكثر إثارة في القصة كلها أن أغلب الذين عارضوا دستور ٢٠١٤ عند صياغته وإقراره، هم الأكثر حماسة له الآن، وبعض الذين دعوا إلى الرقص والغناء أمام لجان الاستفتاء الأشد هجوماً عليه.
بنداء «يناير» استوعب الأولون أهمية الدستور كقضية محورية لا غنى عنها في أي مستقبل. وبكراهية «يناير» قرر الآخرون أن يكون الانتقام كاملاً بمحو النصوص الدستورية التي تنتسب إلى أهدافها في التحول إلى دولة حديثة ــ حرة وعادلة. هذا صلب الأزمة الدستورية التي تطرق الأبواب وجوهر الصراع على المستقبل.
*كاتب وصحافي مصري