بعد سنوات من القتال الضاري ومرارة الحرب والموت، تعيش اليوم المنطقة الجنوبية حالة من الارتياح. عادت الحركة نشيطةً على الطريق الدولي الواصل بين مدينة درعا والعاصمة دمشق، ليلاً ونهاراً، بعدما كانت الحركة تنعدم في الليل.


وينعكس هذا الهدوء على مستوى النشاط الزراعي بوضوح، إذ أصبحت معظم سهول المنطقة الجنوبية الواقعة تحت سيطرة الدولة، جاهزة إما للزراعة أو الحصاد. على المقلب الآخر، تشهد المناطق الواقعة تحت سيطرة المسلحين، حالة من التوتر والاستنفار الأمني، نتيجة اقتتال بعض الفصائل في ما بينها. ولعل أبرز ما رفع منسوب التوتر، هو تفجير أحد مقارّ «جيش الإسلام» في محيط بلدة نصيب الحدودية مع الأردن، منذ ما يقارب الأسبوع، والذي سبّب مقتل وجرح العشرات من عناصره وقيادييه.
ارتفاع الأسعار والفلتان الأمني هناك، شكّلا حالة من الغضب والاستياء لدى السكان المحليين، وكمثال على الارتفاع الكبير للأسعار. ويعود السبب الرئيسي لذلك وفق مصدر جنوبي مطلع، إلى «سببين: الأول هو وقف حركة الإمداد والتهريب من مناطق سيطرة (داعش) في المنطقة الشرقية، بسبب قطع الطريق بعد عمليات ريف السويداء الأخيرة، أما الثاني فهو حصر وتقليص كميات المحروقات الواردة من الأردن إلى الفصائل، التي كانت تباع للمدنيين».
وبالتوازي، لا تزال الأسلحة والأعتدة العسكرية تتدفق إلى بعض الفصائل المحددة، وبكميات كبيرة، تحت عنوان محاربة «داعش» الموجود في حوض اليرموك. وتمرّ قوافل الأسلحة هذه من الأردن باتجاه أرياف درعا، من معبر تل شهاب الحدودي. وتصل معظمها إلى مدينة جاسم في الريف الغربي، وإلى بصرى الشام في الريف الشرقي. وبينما تضم المنطقة الجنوبية عشرات الفصائل الرئيسة التي لا تنوي الجهات الداعمة قطع الإمداد عنها، مثل «حركة أحرار نوى» و«لواء المهاجرين والأنصار» و«لواء الكرامة» في داعل و«شباب السنّة» في المنطقة الشرقية، فقد قُطع الدعم عن بعض الفصائل الصغيرة. ويأتي ذلك في محاولة للضغط على تلك الفصائل للتوحد ضمن فصيل واحد تابع مباشرة لغرفة العمليات المشتركة في الأردن.
وفي التفاصيل، يقول المصدر إن «المشغّل الخارجي دفع منذ أيام رواتب المسلحين من الفصائل الجنوبية عن شهر تمّوز، وهي 300 دولار أميركي لكل مسلّح، منبّهاً إيّاهم أنها المرة الأخيرة التي يتلقّون منه أموالاً». ويشرح: «بهذه الطريقة فقط، يستطيع المشغّل توحيد المسلحين والفصائل، إذ سيلجأ هؤلاء إلى مكاتب الفصائل الكبيرة لتلقي الدعم والأموال، وهو ما يسهّل السيطرة عليهم في المرحلة المقبلة».

تنظيف الحدود حتّى التنف

منذ عشرين يوماً تقريباً، انطلقت المرحلة الثانية من عمليات ريف السويداء الشرقي. وبينما يستكمل الجيش عملياته شرقاً على طول الحدود مع الأردن، يتحرك بشكل موازٍ من جهة تل أم أذن باتجاه منطقة التنف. ويشير مصدر ميداني في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «مقاومة المسلحين لم تكن مجدية أمام الزخم الناري وسرعة المناورة والتثبيت. وتمكنّا من الوصول إلى المحرس رقم 161، وهنالك خطط للسيطرة على كافة المحارس الحدودية في المرحلة المقبلة».
الفصائل المسلحة هناك هي «جيش العشائر» و«قوات أحمد العبدو» و«جيش أسود الشرقية»، وهي تشكل خط الدفاع الأول عن منطقة التنف. ويوضح المصدر أن «هذه الفصائل تتمتع بقدرة صاروخية عالية، إذ تعرضت قواتنا لعدة صليات صواريخ من نوع (غراد)، كذلك أسقطت طائرة حربية تابعة للجيش السوري هناك، وتحديداً في شمال المحرس 158، بعدما استهدفت بصاروخ مباشر، ما يشير إلى الدعم الكبير والنوعي الذي تحصل عليه هذه الفصائل المدعومة من الأميركيين». ويؤكد أن «هدف العملية تأمين كامل الحدود مع الأردن حتى الوصول إلى معبر التنف».




إعادة انتشار للمراقبين الروس


بعد توقيع اتفاق «تخفيف التوتر» في الجنوب، استقدمت شركة أمنية روسية للقيام بمهمات مراقبة تطبيق الاتفاق. غير أن قراراً مفاجئاً قضى بسحب عناصر الشركة الأمنية واستبدال كتيبة من الجيش الروسي بها. ويوضح مصدر سوري رفيع لـ«الأخبار» أن «عملية التبديل ستستكمل في غضون 10 أيام. وستبدأ القوة الجديدة بالانتشار وفقاً لخريطة توزّع محددة، بدءاً من 26 الشهر الجاري». وتتركز مهمات النقاط الروسية في الرصد والمراقبة، إلى جانب التفتيش والعبور. وتتوزع هذه النقاط على مناطق عدة، أغلبها يقع تحت سيطرة الجيش كقرى القنية وشقرا ونامر في ريف درعا الشمالي، مع وجود نقاط أخرى في مناطق سيطرة المسلحين كخربة غزالة في ريف درعا، وتل شمس في ريف القنيطرة.