القاهرة | لعل الثابت في حياة المفكر والسياسي المصري رفعت السعيد (1932-2017) هو موقفه من التيارات الإسلاموية وجماعات الإسلام السياسي، وخاصة جماعة «الإخوان»، أو بتعبيره «المتأسلمين»، إذ لم يتغير موقفه ولم يهادن يوماً التيارات الرجعية، حتى مع وصول محمد مرسي إلى الحكم عام 2012، وبدا الرئيس السابق لحزب التجمع أكثر شراسة ومناهضة لـ«طيور الظلام».


حياة السعيد الذي رحل عن عالمنا أول من أمس عن عمر يناهز 85 عاماً، مثيرة للجدل ككتاباته. وقد شهدت تقلبات كبيرة جرّت عليه هجوماً وخصومة من التيارات السياسية كافة، بمن فيهم رفاق اليسار مثل رئيس حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي»، عبد الغفار شكر، الذي سبق أن شنّ هجوماً على السعيد واتهمه بالحياد عن مسار «التجمع»، واتهمه المناضل الراحل أبو العز الحريري عام 2009 بـ«الانخراط في مفاوضات وصفقات في الكواليس وتقديم تنازلات للحزب الوطني الديموقراطي» الحاكم آنذاك!
الفتى الذي اعتقل في نهاية الأربعينيات وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة، وصار أصغر معتقل سياسي حينها، انضم إلى الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني «حدتو» خلال عهد جمال عبد الناصر، وبرز معارضاً شرساً لسياسات الانفتاح واتفاقية «كامب ديفيد» في فترة أنور السادات. عاش بلا أنياب في السنوات العشر الأخيرة من حكم حسني مبارك، وأصبح عضواً معيّناً في مجلس الشورى قبل إلغائه عام 2014.
ازدادت مهادنة السعيد للسلطة السياسية بعد أحداث «30 يونيو» 2013، ليصبح واحداً من المؤيدين لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مواقفه السياسية، بخاصة في اتفاقية تعيين الحدود مع السعودية التي سلمت بموجبها السلطاتُ المصرية جزيرتي تيران وصنافير للمملكة. حينها صرّح السعيد بموقفه الذي أثار استياءً داخل اليسار المصري بأن «الجزيرتين سعوديتان وبلاش نضحك على أنفسنا».
على جانب آخر، ظلّ السعيد مخلصاً لأفكاره في محاربة الرجعية الدينية، مخلفاً وراءه عدداً لا بأس به من الكتب المهمة عن الحركات الإسلامية، أبرزها «الصراع بين الإسلام والتأسلم»، و«حسن البنا... متى، كيف، لماذا؟»، و«أوهام الخلافة» و«ضد التأسلم». إلى جانب مئات المقالات في الصحف، خصوصاً صحيفتي «الأهالي» و«الأهرام»، الأمر الذي جرّ عليه هجوماً إسلاموياً في حياته ومماته، وتعرض لأكثر من مرة لدعوات تكفير وإخراج من الملة، فيما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وفور إعلان نبأ وفاة مؤلف «عمائم ليبرالية... في ساحة العقل والحرية»، هجوماً وصل حد قول بعضهم إنه «سيدخل الجحيم»!
تكريس الجهد الأكبر لتفكيك الفكر المتأسلم والدعوة إلى العودة للماضي بدعوى استعادة «الخلافة الإسلامية»، سبّب ألّا يرى كثيرون الجهد الكبير لمؤلف «ثلاثة لبنانيين في القاهرة»، في تأريخ الحركة الشيوعية المصرية وتوثيقها، في الفترة بين 1900 و1980، كذلك رصده لتاريخ «الصحافة اليسارية في مصر» من 1950 إلى 1980، الأمر الذي جعل منه واحداً من أهم مؤرخي الحركة اليسارية بصفة عامة في مصر، والمدون لتاريخ رجال الحركات الاشتراكية. لكن حياته الصحافية أيضاً لم تخلُ من المناوشات، إذ تعرض عام 2009 لشطب قيده من نقابة الصحافيين المصريين بعدما فصل تعسُّفاً الصحافي محمد منير، وقرر مجلس النقابة حينها إحالة السعيد على هيئة التأديب، على الرغم من قربه من نظام مبارك! ولم يكتف السعيد بمجالات السياسة والصحافة والتأريخ، فراح يجرب مهاراته في الكتابة الروائية، وأصدر ثلاثة أعمال هي «السكن في الأدوار العليا» «البصقة» و«رمال»، لكنه لم يحقق أيّ نجاح أدبيّ، وبدت رواياته أقرب إلى الكتابة الصحافية أو السياسية.