تطوران بارزان طرآ على المشهد اليمني، مرشحان للإسهام في خلط الأوراق وإدخال تعديلات على الستاتيكو السياسي القائم، وكذلك العسكري. الأول، يتمثل في مشروع تسوية يطبخ بين باريس وأبو ظبي، وصل أصحابه إلى اقتناع بضرورة «استعادة» تيار علي عبدالله صالح واحتوائه، في سياق يستهدف إعطاء صالح الحصة الشمالية من مشروع ما بعد الحرب، على حساب شركائه في «أنصار الله» التي يراد إقصاؤها من التسوية، ليكون شريكاً مع تيار عيدروس الزبيدي في الجنوب، ضمن حصة الجبهة المقابلة، المراد إماراتياً إقصاء «تجمع الإصلاح» الإخواني منها كذلك.


قد لا يكون المشروع الأول من نوعه بالنسبة إلى كثير من المتابعين للشأن اليمني، إلا أن الجديد يكمن في إشارات بعث بها علي عبدالله صالح، أوحت أن الأخير قد لا يمانع الدخول في مشروع مماثل. المبادرة الأخيرة للبرلمان اليمني، المسيطر عليه من كتلة صالح، التي أعلنت القبول بخطة المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد لتحييد ميناء الحديدة ووضعه تحت إشراف «طرف ثالث»، زادت من منسوب الاقتناع بشأن توجه صالح الجديد. وقد ساعدت هذه التطورات الأخيرة في رفع منسوب التوتر بين «أنصار الله» وصالح، خصوصاً أن الحركة ترفض رفضاً قاطعاً مبادرة ولد الشيخ وتعدّها تفريطاً بالسيادة اليمنية.
تقول مصادر مقرّبة من «أنصار الله» إن تذمرها لا علاقة له بالمهرجان الشعبي. ثمة نشاط لقيادة «المؤتمر» ترصده الحركة منذ مدة، يكشف عن حقيقة ما يشاع حول التقارب بين علي عبدالله صالح والإمارات. وقد بلغ التواصل بين صالح وأبو ظبي مرحلة متقدمة، وفق المصادر، بما رفع منسوب المخاوف من خطوات أحادية الجانب قد يقدم عليها صالح. وتؤكد مصادر «أنصار الله» وجود لقاءات بين موفدين عن صالح والإمارات في العاصمة المصرية القاهرة. هذه اللقاءات وإن نفاها، أمس، حزب «المؤتمر»، إلا أن تصريحات وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أجّجت الشكوك حول النيّات الإماراتية. وعلق قرقاش، أمس، على خطاب صالح الأخير، معتبراً أنه «قد يمثل فرصة لكسر الجمود السياسي الذي كرّسه تعنّت الحوثي». وأضاف: «يبقى المسار السياسي أساس الحلّ في الأزمة اليمنية. اتفاق يجمع اليمنيين ويمنع التدخل الإيراني ويعالج مسائل الإرهاب ومستقبل الجنوب وطبيعة الحكم». ورأى المسؤول الإماراتي أن «بإمكان إرادة اليمنيين أن تحقق الاتفاق السياسي. بناء دولة المستقبل يجب ألا يستثني أحداً، وعماده الاتفاق والحوار، ولا يمكن أن يؤسّس على الانقلاب».


سارع «الإصلاح» أول أيام الخلاف الخليجي إلى إحياء خطوط التواصل مع صنعاء

وبالعودة إلى مصادر «أنصار الله»، فإنها تصرّ على التأكيد أن مهرجان «المؤتمر» المقبل لا يشكل بحدّ ذاته هاجساً، خصوصاً أنه ليس المهرجان الأول للشريك في حكومة الإنقاذ والمجلس السياسي الأعلى. إلا أن المصادر تستدرك محذرة من معلومات مفادها أن الرئيس السابق سيستغل الحشد الجماهيري لإطلاق مبادرة تتضمن دعوة إلى مصالحة شاملة، لم يجر التنسيق بشأنها مع الحركة.
أما العامل الثاني، فيتمثل في زلزال الأزمة الخليجية وتداعياته التي وصلت تردداتها إلى اليمن، ومن المتوقع أن يتوالى المزيد منها في مقبل الأيام. طلاق الإمارات والسعودية مع قطر و«الإخوان» لم يتأخر في إفراز التصدعات داخل الجبهة المؤيدة لـ«التحالف العربي» في اليمن، وهي الجبهة التي يتقاسم نفوذها تياران رئيسيان: «التجمع اليمني للإصلاح» الإخواني، وتيار جنوبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإمارات، يتصدر واجهته محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي.
وبات «الإصلاح» في موقف لا يحسد عليه، بعد أن استفاق إخوان اليمن ليجدوا أنفسهم منخرطين في مشروع مضاد لموقع التنظيم الأم وفق التقسيمات الجديدة. تشير المعلومات إلى أن «الإصلاح» سارع أول أيام اندلاع الخلاف الخليجي إلى إحياء خطوط التواصل مع صنعاء. التواصل المستجد مع قنوات مقرّبة من «أنصار الله» لا يزال في مراحل البدايات، ويأخذ طابع تسخين الخطوط لا أكثر، تحسّباً لأيّ تطورات قد تفرضها المرحلة الراهنة، المتّصفة بكثير من الضبابية واللايقين، وفقدان الثقة بـ«التحالف». ويقابل هذا التطور حديث عن اتصالات مماثلة تجري بين تيار عيدروس الزبيدي ومقرّبين من علي عبدالله صالح.
لم يكن ترحيب «أنصار الله» بخروج قطر من «التحالف» ضد اليمن ودعوة الحركة إلى التصالح مع «الإصلاح» تفصيلين عابرين، لا سيما أن التقارب مع الصديق القديم (قطر) يزعج علي عبدالله صالح، الذي يتّهم الدوحة بالتواطؤ على نظامه في حراك 2011. كذلك على مقلب «الإصلاح»، لا يتوقف الهجوم الشرس إعلامياً، ومن قبل نخب «إخوانية»، على الإمارات والسعودية. هجوم لم ينجح بيان لفرع «الإصلاح» في تعز، غازل فيه الإمارات حفاظاً على مصالحه في الميدان العسكري هناك، في رأب الصدع، ولا في إقناع الأصدقاء والخصوم (على رأسهم تنظيم «أبو العباس» السلفي المدعوم إماراتياً) على حدّ سواء. حتى إن المسؤولين في حكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، الموجودين في الرياض والمحسوبين على «الإصلاح»، لا يخفون قلقهم ممّا يجري، وهم يهمسون للمستفسرين بما يدور في خلدهم من قلق وريبة، وسط أنباء عن احتمال تخلي الرياض عن هؤلاء، ونقلهم قريباً إلى الداخل اليمني.
إلا أن العقدة الأبرز في هذا الملف تبقى لدى نائب هادي، اللواء علي محسن الأحمر، الذي يشكّل الذراع الدولتية لإخوان اليمن. ويصعب تصور أيّ تحول في تموضع «الإصلاح» بعيداً من الأحمر الذي يتميّز بكثير من البراغماتية والحنكة السياسية والتشبيك مع الواقع القبلي المعقد. المقرّبون من الرجل يقولون إنه لا يزال حتى الآن مراهناً على متانة علاقته التاريخية مع الرياض للتعويض عن الفجوة الكبيرة بينه وبين أبو ظبي، علماً بأن المعلومات تفيد بأن التسوية التي تسوّق لها الإمارات بمساعدة فرنسية تضع تحفظات على دور لعلي محسن الأحمر. وتشترط التسوية المفترضة على اللواء الأحمر التخلي الكامل عن «الإصلاح»، مقابل حصة في «اليمن الجديد»، ما يضيّق الخناق على «الجنرال العجوز» وعلى نفوذ الأذرع القبلية للإخوان من آل الأحمر. في الأيام القليلة الماضية، برزت معلومات تفيد ببوادر تقارب بين الأحمر وصالح، دشّنتها لقاءات «حاشد» القبلية. وتشير مصادر إلى أن الأحمر وجّه أنصاره في المحافظات الشمالية، من المؤتمريين المحسوبين عليه، بدعم الحشد الجماهيري الذي دعا إليه صالح في ميدان السبعين وسط صنعاء، ووقف الحملات ضد صالح وتياره في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وتتوقف المصادر عند هذه المؤشرات، من دون تأكيد ما إذا كان تحرك الجنرال الأحمر يقتصر على استهداف «أنصار الله» من خلال إظهار أن «المؤتمر» يمتلك اليد الطولى في الشمال، أم أن مردّ ذلك تفاهمات فعلية بين صالح والأحمر. في الحالتين، تفتح هذه المؤشرات باب التساؤل حول نيّات الأحمر إعادة التموضع وفق تحالفات ما قبل الـ2011، وإنهاء «انقلابه» على شريكه التاريخي: علي عبدالله صالح.