أخيراً خرجت سوسن وأطفالها من مخيم اليرموك بعد نحو عامين من الحصار، فيما بقي زوجها داخل المخيم لأسباب أمنية، ولأن كل ما تملك سوسن لا يتعدى عقد زواج عرفي، فهي مضطرة اليوم إلى توكيل محام ورفع دعوى قضائية لتثبيت زواجها وإثبات نسب أطفالها، لتتمكن بموجب الوثائق التي ستحصل عليها من استئجار منزل والحصول على المساعدات الإغاثية، ومستقبلاً إرسال أطفالها إلى المدارس.


سوسن واحدة من نساء كثيرات تزوجن خلال سنوات الأزمة بعقد عرفي أو بقران يعقده شيخ، ولا سيما في المناطق التي لا توجد فيها سلطة للدولة ومؤسساتها. وبحسب المحامية ريما طه، فإنه «في اليوم الواحد ترد عشرات الدعاوى بخصوص إثبات النسب، وقد ازدادت هذه الدعاوى بنسبة عالية جداً تجاوزت المئة بالمئة عمّا كانت عليه قبل الأزمة». وتضيف في حديثها لـ«الأخبار» أن عدداً كبيراً من الأشخاص «الذين يتقدمون بقضايا إثبات نسب يتراجعون بسبب التكلفة العالية لهذه القضايا. وبذلك فإن عدداً كبيراً من الأطفال الذين يولدون من أم وأب سوريين سيبقون دون قيود، وبالتالي لا حقوق لهم».
بعد رحلة قاسية قادتها إلى العاصمة من إحدى قرى ريف حلب، وصلت خالدة إلى كراجات دمشق، إلا أنها لا تملك أوراق زواج رسمية أو حتى غير رسمية تثبت فيها أن الفتاتين اللتين لم يتجاوز عمر الكبيرة منهن ثلاث سنوات هما ابنتاها.
وعن ذلك تقول: «تمكنت من الهرب من ريف حلب بعد أن قتل زوجي، لكنني لا أعرف العنوان الجديد لأهل زوجي كي يصلهم تبليغ المحكمة، وبغير ذلك لن يكون هناك قضية وستبقى الفتيات دون قيود تثبت هويتهم». أما عارف، فقصته مختلفة، فالرجل لم يتمكن من تسجيل أبنائه الذين ولدوا حديثاً في الرقة، وذلك بسبب إجراءات تنظيم «داعش» التي منعت الدوائر الحكومية من متابعة عملها.
وعلى هذا فإن الكثير من الأطفال الذين ولدوا خلال سنوات الأزمة غير مسجلين في الدوائر الرسمية، ولذلك يؤكد القاضي الشرعي مرهف الفصيح أن «هناك حاجة إلى تكثيف الجهود بين عدد من الوزارات المختصة لحصر حالات الأطفال غير المسجلين، إذ فقد عدد من السجلات المدنية نتيجة المعارك الدائرة في عدد من المناطق السورية، وهذا فيه ضياع لحقوق عدد كبير من الأفراد»، موضحاً أن «ظاهرة مكتومي القيد موجودة في سوريا قبل الأزمة ولكن بنسبة قليلة، وذلك نتيجة بعض العادات والتقاليد القديمة في المناطق النائية والقرى البعيدة، التي يرفض أفرادها تسجيل الزواج رسمياً بحجة أن عقد القران الذي يعقده الشيخ كاف لبدء الحياة الزوجية». وهذا يعني أن «المواليد الجدد لن يظهروا في السجلات المدنية، وبالتالي سيفقدون حقوقهم المدنية، ونحن حالياً نشهد إقبالاً على تثبيت نسب الأبناء، وخاصة الذكور الذين باتوا بسبب الأحداث الحالية مطالبين بإبراز هويتهم الشخصية في أي تحرك لهم». ولا ينفي القاضي الفصيح وجود «مشاكل عديدة خاصة في الحالات التي يكون فيها الوالد متوفياً، وهنا يجب علينا مخاصمة الورثة وأحياناً ورثة الورثة، وهذا يأخذ وقت طويل».
ولد عصام في ريف إحدى المحافظات الشمالية، ولأن والده من مكتومي القيد فلم يتمكن من تسجيله أو تسجيل أي من أخوته الخمسة، ومع بداية الأحداث اضطرت العائلة للنزوح إلى دمشق وكان عصام حينها يبدو عليه الصغر، أما اليوم فقد أصبح يمتلك شاربين صغيرين وبات مطالباً منه عند كل حاجز إبراز هويته ودفتر خدمة العلم، وفي آخر مرة تعرض فيها عصام للسجن مدة شهر، ريثما أظهر والده أوراقاً تظهر أنه مكتوم قيد.
أما سوزان فإنها تحاول تسجيل ابنها الوحيد جمال في السجلات العدلية، لكن القاضي رفض طلبها أربع مرات. تقول سوزان إنها تزوجت شاباً قريباً لها، وتم سوقه على أحد الحواجز إلى خدمة الجيش ولم تلتق به منذ سنة وثلاثة أشهر. وقتها كانت حاملاً لتلد بعد فترة، لكن بغياب زوجها أو أي من أقاربه الذين سافروا، اضطرت إلى رفع دعوى عليهم لإثبات النسب.
يوضح القاضي المكلَّف الفصل في دعوة سوزان، وفضل عدم ذكر اسمه، أن سبب رفضه بتّ الدعوى هو عدم اقتناعه بالشهود الذين تحضرهم المدعية، فقد تكون المدعية تحاول نسب الفتى إلى غير والده.
وعلى عكس توقعات البعض حول حجم ظاهرة الأطفال المكتومي القيد، فإن عميد المعهد العالي للدراسات السكانية، أكرم القش، يقلل في حديثه لـ«الأخبار» من حجم ظاهرة مكتومي القيد، لكنه لا ينفي وجود هذه الظاهرة، مشيراً إلى أنه «يوجد لدى الحكومة السورية أرقام حقيقية عن حجم الظاهرة وعدد المواليد، إلا أن الحكومة لم تفرج عن هذه الأرقام كي لا يجري تداولها بنحو مجتزأ».
وهذا ما خلصت إليه محاولاتنا للحصول على تقدير إحصائي للظاهرة، سواء كان رسمياً ذلك التقدير أو غير رسمي. لكن يبدو أن المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيمات المسلحة وليس فيها مؤسسات للدولة تشهد زيادة كبيرة في عدد الأطفال المولودين حديثاً ولم يُسجَّلوا رسمياً، هذا فضلاً عن مخيمات اللجوء في الدول المجاورة التي لها معاناة أخرى.