شهدت الأشهر الأخيرة سجالاً في المقاربة الإسرائيلية تجاه غزة بين المؤسسة العسكرية والسياسية في تل أبيب. وإن دلّ السجال على شيء، فإنه يدل على غياب الرؤية والإمكانات لدى صاحب القرار الإسرائيلي الذي يطلب أكثر مما يستطيع تحقيقه. وإذا كانت جهات في الجيش الإسرائيلي واستخباراته، كما تسرّب للإعلام العبري، ترغب في إغراء حركة «حماس» ودفعها إلى هدنة طويلة الأمد، عبر تمكينها من إعادة الإعمار بل تحقيق أهم ما كانت تطالب به في الحرب الماضية، وهو الميناء البحري، فإن المؤسسة السياسية لا تزال تمضي قدماً في الحصار والضغوط، وعدم الإصغاء إلى تحذيرات صادرة عن العسكريين.


وفي وقت سابق، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، بصورة غير مباشرة، تأييده طروحات الجيش حيال غزة و«حماس»، عبر تأكيده أن التعاون بين داعش و«حماس» في سيناء جاء بمبادرة فردية ودون علم القيادة في القطاع، مشيراً في تصريح مخالف لكل الرواية المعتمدة لدى تل أبيب، وأطلقها من روما خلال لقائه نظيرته الإيطالية، روبيرتا بينوتي، إلى أن «حماس تقاتل في غزة عناصر داعش، ومع ذلك (توجد) جهات في حماس تتعاون مع داعش في سيناء، من أجل الإضرار بالأمن المصري».

يقدّر الجيش أن احتمال المواجهة في المرحلة القريبة المقبلة «غير عال»

مع ذلك، بعد عام الحرب، السؤال الإسرائيلي هو نفسه الذي كان مطروحاً عشية العدوان الأخير: هل تتجدد المواجهة العسكرية؟ جواب مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة، يوم أمس، جاء استنساخاً للجواب نفسه قبل عام: «احتمالات وقوع مواجهة جديدة في الجنوب، خلال المرحلة القريبة المقبلة، ليست عالية». وكان ضابط رفيع في استخبارات قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي قد استعرض أمام المراسلين العسكريين لوسائل الإعلام العبرية ما يمكن وصفه بـ«تقدير وضع» إزاء القطاع، وذلك لمناسبة مرور عام على العدوان. وخلص فيه إلى أن الذراع العسكرية لـ«حماس» باتت قادرة، إن أرادت، على خوض مواجهة مع الجيش بعدما رمّمت قدراتها العسكرية وأكثر، ولكنها (كتائب القسام) تريد حرباً مغايرة عن الماضية، أي أكثر شدة وإيلاماً.
الضابط فصّل في استعراضه الوضع مع غزة على النحو الآتي: «حتى الآن، وفي المرحلة القريبة المقبلة، فإن اندلاع مواجهة عسكرية مع حماس هو احتمال غير عال... صحيح أن الجناح العسكري للحركة استعاد قدراته العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، وبات بإمكانه خوض معركة جديدة ضد إسرائيل، لكنه يريد للمواجهة المقبلة أن تكون مغايرة للمواجهة السابقة». وأضاف: «نتيجة لذلك يعمل (الجناح العسكري) على الاستعداد أكثر، ويطلب مزيداً من الوقت لإنهاء هذا الاستعداد».
في تفاصيل التفاصيل، أشار الضابط إلى أن «حماس نجحت في ترميم كميات الصواريخ التي كانت في حوزتها عشية المواجهة الأخيرة (الجرف الصامد)، إذ إنها رمّمت كميات الصواريخ القصيرة المدى، وتكاد تنجز ترميم كميات الصواريخ المتوسطة المدى، وقد تستغرق عدة أشهر كي ترمم كميات الصواريخ البعيدة المدى». وفي إعادة طرح لمقاربة الجيش الإسرائيلي إزاء غزة، عاد الضابط ليكرر الرأي شبه الجامع في المؤسسة العسكرية حول ضرورة إغراء حماس» عبر تقديم تنازلات، جلّها اقتصادي، من شأنها أن تساعد في تأجيل المواجهة المقبلة ومنع الاندفاع إليها.
وأضاف الضابط: «قيادة حماس غير معنية في هذه المرحلة بخوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل هي تعمل على صدّ منظمات إسلامية صغيرة ومتطرفة وتمنعها من إطلاق صواريخ على جنوب إسرائيل»، مستدركاً: «صحيح أن عملية الجرف الصامد أنتجت احتمالاً لهدوء بعيد المدى، ولكن من أجل تحقيق ذلك نحتاج إلى خطوات من شأنها أن تحسن الوضع الاقتصادي في القطاع، مع تفاهمات في موضوع وقف طويل لإطلاق النار، بين إسرائيل وحماس».
رغم ذلك، فإنه حذر من تجدد الصلات بين إيران والذراع العسكرية لـ«حماس»، قائلاً إن طهران «حوّلت وتحوّل أموالاً طائلة إلى الجناح العسكري، رغم امتعاض رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، الموجود حالياً في قطر». وحول علاقة «حماس» بهجمات «داعش» على الجيش المصري في سيناء، أكد الضابط «وجود هذه العلاقة بعلم من قيادة الجانبين»، لافتاً إلى أن ذلك يصبّ في مصلحتهما. وقال: «هجوم تنظيم الدولة الاسلامية في سيناء هدف إلى فتح طرق تهريب لمصلحة حماس إلى غزة عبر سيناء، في مقابل صفقة تبادل مصالح بين الجانبين، إذ تحصل داعش على موارد مختلفة انطلاقاً من القطاع».
ورداً على سؤال حول خطر الأنفاق وأساليب مواجهتها، ذكر الضابط نفسه أن «قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش» توشك في هذه الأيام على الانتهاء من إنتاج منظومة اكتشاف الأنفاق، لكنه شدد على أنها «في المراحل التجريبية». وتابع: «الجيش يعمل على التزوّد أيضاً بوسائل قتالية ومتفجرات قادرة على التعامل مع الأنفاق، لأن الرد في الحرب الأخيرة لم يكن كافياً».
وتقريباً، فإن مضمون هذا الحديث أعاد نائب قائد «وحدة غزة» في الجيش الإسرائيلي نوحي مندل تلخيصه للإذاعة العبرية بالقول إن «حماس شرعت في ترميم بنيتها التحتية، وتحسين قدراتها العسكرية التي تضررت كثيراً خلال العملية»، مدّعياً أن إسرائيل تمكنت من إحباط «عمليات تهريب وسائل قتالية إلى غزة».
كذلك، فإن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي ايزنكوت، قال إن العام الأخير في أعقاب «الجرف الصامد» كان «الأكثر هدوءاً ممّا عرفه جنوب إسرائيل منذ سنوات». وأضاف: «هدفنا هو أن نحافظ على أمن الإسرائيليين والاستمرار في كل ما يلزم لضمان عدم خرق الاستقرار الأمني»، لكنه أكد في المقابل «وجوب أن نبقى مستعدين وجاهزين لكل التطورات الممكنة».
أيضاً، كرر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في كلمة ألقاها في القدس المحتلة لمناسبة مرور عام على العدوان الأخير، أن «حماس تلقت ضربة لم تعرف مثيلاً لها منذ نشأتها»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تتابع عن كثب كل أعدائها، من حماس إلى حزب الله وصولاً إلى إيران». وقال: «تعمل (إسرائيل) بقوة عندما تقتضي الضرورة ذلك، وكل من يحاول إيذاءنا فذنبه على جنبه»، وهو قول مقتبس عن التوراة. كذلك شدّد نتنياهو على أن «إسرائيل ستعمل على إعادة رفات الجنديين المفقودين في الحرب»، لكن من دون الإشارة إلى وجود اتصالات لصفقة تبادل مع «حماس»، فقد اكتفى بالقول: «هذا يتماشى مع الواجب الأساسي والإنساني الذي ندين به لهما ولعائلتيهما».