بما يُخالف معظم التوقعات، حققت القوات العراقية المشاركة في عمليات استعادة قضاء تلعفر تقدماً سريعاً، إذ أعلن الجيش العراقي، أمس، أنّ قواته استردّت تقريباً كل القضاء الذي يُعدُّ طريق الإمداد بين سوريا وغرب العراق لناحية الموصل.


وبما يُخالف أيضاً مسار العمليات العسكرية العراقية ضد «داعش» منذ نهاية 2014، كان لافتاً أنّ وكالة الأنباء السعودية الرسمية «واس»، نقلت عن «مصدر مسؤول في وزارة الخارجية تهنئة المملكة العربية السعودية لجمهورية العراق حكومةً وشعباً لمناسبة الانتصار الذي حققه أبناء العراق على تنظيم داعش الإرهابي باستعادة قضاء تلعفر من قبضته»، فيما «جدد المصدر التأكيد على وقوف المملكة بكامل إمكاناتها إلى جانب جمهورية العراق الشقيقة لمحاربة الإرهاب والتطرف حتى يتم القضاء عليه».
ومن المعروف أنّ معارك القضاء كانت قد تأجّلت مراراً، وكان مسؤولون عراقيون يُرجعون السبب وراء ذلك إلى «الفيتو الذي يضعه رئيس الوزراء حيدر العبادي». ويشير هؤلاء إلى أنّ المعركة كان بإمكانها أن تبدأ بالتوازي مع معارك الموصل، إلا أنّ «العبادي لم يوافق في حينه». وكان مسؤولون عراقيون قريبون من الحكومة يُرجعون سبب «التأخير والفيتو» إلى الشروط الإقليمية التي كانت «تمنع دخول الحشد»، فيما بدا واضحاً أنّ الأمر مرتبط بصورة خاصة بأجندة «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن، بين شرق سوريا وغرب العراق.
وفي الأيام الأخيرة، كانت قيادات بارزة في «الحشد» تطالب بتأجيل معركة قضاء تلعفر إلى «ما بعد عيد الأضحى»، إلا أنّ «رئيس الوزراء فرض حصولها في هذا التوقيت (قبل نحو أسبوع)، مطالباً بعدم ربطها بجدول العمل الخاص بملف الحدود السورية العراقية» وبما يقوم به الجيش السوري وحلفاؤه من الجهة المقابلة للحدود.
وكان لافتاً التصريح الذي أطلقه وزير الدفاع الأميركي جايمس ماتيس، قبيل وصوله إلى بغداد الأسبوع الماضي. وقال إنّ وادي نهر الفرات الأوسط ــ المحصور بين مدينة القائم غرب العراق ومدينة دير الزور شرق سوريا ــ سوف «يُحرَّر في الوقت المناسب»، وهو ما طرح إمكانية تحريك واشنطن لعمليات متزامنة في محافظة الأنبار من الجانب العراقي، ومن منطقة الشدادي جنوب الحسكة نحو وادي الفرات. وفي إطار التساؤلات عن تعارض أي عمليات أميركية مرتقبة هناك مع عمليات القوات الحكومية السورية، أوضح ماتيس أن «خط (منع التصادم) المتفق عليه في جنوب الرقة مع الجانب الروسي، يمتد على طول نهر الفرات... حيث تبقى قوات النظام (السوري) جنوب النهر، فيما تبقى القوات التي ندعمها شماله».
وذكر بيان للجيش العراقي أمس، أنّ القوات المشاركة في العملية انتزعت السيطرة على أحياء مدينة تلعفر (مركز القضاء) البالغ عددها 29 بعد ثمانية أيام فقط من القتال، فيما أوضح العميد يحيى رسول أنّ «القتال مستمر في ناحية» العياضية، وهي منطقة صغيرة مساحتها 11 كيلومتراً وتقع في شمال غرب تلعفر. وأضاف أنّ القوات العراقية تنتظر استعادة المنطقة حتى تعلن «الانتصار الكامل».


نحو 90 كيلومتراً تفصل الجيش
السوري عن دير الزور من محور السخنة


وفيما يبدو أنّ استعادة قضاء تلعفر بالكامل أصبحت مسألة وقت، فإنّ خيارات القوات العراقية بخصوص المعركة المقبلة باتت تنحصر باثنين: قضاء الحويجة في كركوك، أو التوجه جنوباً لاستعادة ما تبقى من محافظة الأنبار المحاذية للحدود السورية، فيما ترأس رئيس الوزراء حيدر العبادي، أمس، اجتماعاً للمجلس الوزاري للأمن الوطني، ناقش «سير عملية تحرير تلعفر والتقدم الكبير... كما بحث الخطط الموضوعة لتأمين الحدود العراقية السورية».
وبالنظر إلى الجانب السوري المقابل، بدت ملامح خطط «التحالف الدولي» لتحرك منسّق في كل من الأنبار العراقية والضفة الشمالية لوادي الفرات الأوسط ضمن سوريا عبر إعلان «المجلس العسكري لدير الزور» التابع لـ«قوات سورية الديموقراطية» بدء استعداداته لإطلاق «معركة دير الزور». وعلى الرغم من عدم صدور تأكيد مماثل من قبل قيادة «قسد» أو عبر إحدى قنواتها الرسمية، فإن الأخيرة لطالما أكدت ــ إلى جانب «التحالف» ــ عزمها على إطلاق عمليات عسكرية في كل مناطق سيطرة «داعش» بعد انتهاء عملية الرقة.
وقد تكون إشارة قائد «مجلس دير الزور العسكري»، أحمد أبو خولة، في حديثه إلى «الأخبار» قبل أيام، إلى أن معركة دير الزور قد تنطلق قبل الانتهاء من معركة الرقة، مؤشراً واضحاً إلى الرغبة الأميركية في بدء العمليات سريعاً نحو وادي الفرات، بهدف استباق أيّ تقدم مفاجئ للجيش السوري وحلفائه، وحجز الضفة الشرقية للفرات كمسرح للعمليات الأميركية حصراً.
وبينما لا يزال موضوع مشاركة «فصائل البادية» في المعارك التي ينتظر أن تنطلق من الشدادي ــ بعد فشل مفاوضات سابقة مع «قسد» ــ أمراً غير واضح التفاصيل، فإن مشاركة عناصر من أبناء دير الزور تحت راية «التحالف» هناك قد تنحصر في مئات من أبناء العشائر المنضوين ضمن «قسد»، وخاصة ممن «انشقوا» عن «قوات النخبة» التابعة لرئيس «تيار الغد» المعارض، أحمد الجربا. وقد تفضي الأعداد المحدودة للمقاتلين ــ إلى حدّ الآن ــ إلى تأخير في انطلاق العمليات العسكرية، رغم الإعلان عن إطلاق المعركة، لا سيما أن القوة الأهم ضمن «قسد» تصب تركيزها على المعارك داخل الرقة.
وبدا لافتاً في ضوء التطورات المتسارعة على جبهات «داعش» بين العراق وسوريا تجديد الإعلام التركي الحديث عن احتمال إطلاق عملية عسكرية في محيط عفرين، بالتوازي مع وصول تعزيزات عسكرية إلى مناطق «درع الفرات» في ريف حلب الشمالي. وعلى الرغم من أن أنقرة لن تتحرك على تلك الجبهة من دون «غض بصر» أميركي وروسي مسبق، فإن التلميحات التركية تدخل في خانة الضغط على واشنطن، نظراً إلى الحساسية التي تثيرها لدى «وحدات حماية الشعب» الكردية، وهو ما قد ينعكس سلباً على معركتي الرقة ودير الزور.
وأشارت تحركات تنظيم «داعش» إلى جاهزيته للقتال في محيط الشدادي الجنوبي، إذ أفادت وكالة «أعماق» التابعة له بأن عدداً من «الانغماسيين» نفّذوا عملية عسكرية ضد القاعدة التابعة لقوات «التحالف» و«قسد» في الشدادي. وفيما لم يصدر أي إعلان رسمي من جانب «قسد» بشأن صحة الهجوم أو تفاصيله، نقلت مصادر معارضة أن الهجوم تضمن اشتباكات خاضها عناصر التنظيم داخل القاعدة، قبل تفجير أنفسهم عبر أحزمة ناسفة قرب تجمعات للعناصر هناك.
وفي المقابل، استعاد الجيش السوري وحلفاؤه زخم التحرك نحو دير الزور، بعد استعادة السيطرة على القرى والبلدات التي خسروها لمصلحة «داعش» على ضفة الفرات الغربية في ريف الرقة الجنوبي، وإتمام السيطرة على الجيب الواقع غرب محور السخنة ــ الكوم في ريف حمص الشرقي. وتناقلت مصادر مقرّبة من التنظيم أخباراً عن إرساله تعزيزات عسكرية إلى بلدة معدان، التي تعدّ من أهم مواقعه على طول الفرات شمال غرب دير الزور.
ومع وصول تعزيزات عسكرية إلى محيط السخنة الشرقي، أمس، تمكن الجيش من التقدم لمسافة كبيرة شرق البلدة على طريق دير الزور. وسيطر على مناطق قصرة فرج ووادي وحقل نجيب النفطي، إلى جانب وادي الوليج ونقطة الاتصالات، وصولاً إلى مفرق الطيبة. ويضع التقدم الجديد الجيش على بعد قرابة 50 كيلومتراً من بلدة كباجب، أول التجمعات السكانية داخل دير الزور على الطريق الممتد شرقاً من السخنة. كذلك، أصبحت قوات الجيش بعيدة حوالى 90 كيلومتراً عن أقرب نقاط سيطرة الجيش على الأطراف الجنوبية للواء 137، جنوب غرب مدينة دير الزور.
(الأخبار)




عمليات «إجلاء لأصدقاء التحالف»؟

أشارت معلومات متقاطعة نقلتها عدة مصادر، إلى أن إحدى طائرات «التحالف الدولي» المروحية حطت ضمن عملية جوية، جنوب منطقة منجم الملح قرب بلدة التبني في ريف دير الزور الغربي. واتفقت غالبية المصادر على أن العملية كانت تهدف إلى إجلاء عدد من قادة تنظيم «داعش» وعائلاتهم من جنسيات أجنبية «ممن عملوا لمصلحة التحالف»، وذلك مع اقتراب عمليات الجيش السوري إلى محيط دير الزور، وتكثيف الاستهداف الجوي لبلدات ومدن وادي الفرات.
وترافق وصول المروحية إلى موقع الهبوط مع قصف مدفعي نفذته قوات «التحالف» المتمركزة في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» شمالي الفرات، استهدف محيط الموقع لحمايتها من أي هجمات أرضية. وشهد ريف دير الزور خلال الشهر الجاري عدداً من عمليات الإنزال الجوي التي هدفت إلى إجلاء بعض الأشخاص «المهمين لقوات التحالف»، وفق ما نقلت مصادر محلية.
ومن اللافت أن تلك العمليات تكررت في مناطق متعددة من العراق خلال مراحل مختلفة من الحرب ضد تنظيم «داعش»، وسط نفي «التحالف» الدولي لأي من تلك العمليات. وكانت آخر الحوادث التي انتشرت معلومات عنها ضمن هذا السياق، هبوط عدد من المروحيات التابعة لغرفة العمليات المشتركة التي يديرها «التحالف» ووزارة الدفاع العراقية، في منطقة ضمن قضاء حويجة، بالقرب من كركوك. ونقلت مصادر من داخل قوات «البشمركة» في حينه أنه جرى إجلاء شخصيات غير معروفة أيضاً، خلال العملية.