خسرت إسرائيل في الحرب السورية، ولتصطف إلى جانب الخاسرين. وبوصفها خاسرة، لتتحمل التبعات والتداعيات، ولتكيّف نفسها وتتعايش مع الوضع القائم. أما الصراخ والتهديد، في زمن تقلص الخيارات العملية، فلا يجدي نفعاً.


واضح جداً، أنّ الحرب السورية تتجه إلى خواتيمها. وواضح جداً أنّ المتحاربين تموضعوا فعلاً في اتجاهين: منتصرون ومهزومون. من الأطراف المهزومة من تكيّف بالفعل مع نتيجة الحرب الرئيسية، أي الفشل في إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، عسكرياً، وهي النتيجة التي تختصر كل أهداف الحرب: هوية الدولة السياسية وتمحورها وتمسكها بثوابتها إلى جانب حلفائها.
على الخاسرين أن يدركوا، أن للخسارة تداعيات، وأن عليهم التكيّف معها، خاصة إن كانت خياراتهم العملية للحؤول دونها متعذرة، وهي خيارات فُعّلت بقوة وبإصرار طوال السنوات الماضية وإلى حد الإشباع، لكن دون تحقيق النتائج. لم يعد بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. الظروف والقدرات والإمكانات العملية المتاحة لأعداء سوريا، ومن بينهم إسرائيل صاحبة الصراخ والعويل، قاصرة بالفعل ولا إمكانات لتغيير النتيجة.
نعم، نظرياً متاح لعدد من أطراف الجهات الخاسرة، تقليص جزئي لتبعات الحرب ونتائجها السلبية، لكن دون التغيير الفعلي في النتيجة النهائية لها: انتصار الدولة السورية وحلفائها. إسرائيل، من جديد، هي من ضمن الخاسرين في الحرب، وهي لا تريد أن تسلّم بالنتيجة، وأيضاً تسعى لتغييرها ولقلب الواقع الذي يتجه فعلياً نحو الترسخ. وهي تريد للمنتصرين أن يتلقوا نتيجة الخاسرين، وللخاسرين أن يتلقوا نتيجة المنتصرين. ولا مبالغة في القول إن خسارة إسرائيل في الحرب، تأتي في الدرجة الثانية من بين الخاسرين بعد تنظيم «داعش»، الذي يفقد وجوده العسكري في سوريا. خسارة إسرائيل تتعزز أكثر، في مرحلة اليوم الذي يلي انتصار الدولة السورية وحلفائها، وما يمكن أن يُبنى على هذا الانتصار.
الواضح أيضاً أن إسرائيل، تحديداً، تكثر من صراخها، وهو تعبير أكثر وضوحاً على مستوى الخسارة ربطاً بالجهة المنتصرة: سوريا الأسد وإيران وحزب الله، وهؤلاء أعداؤها الرئيسيون بعدما اصطفت الأنظمة العربية «المعتدلة» إلى جانبها. صراخ تل ابيب تعبير واضح عن مستوى الخسارة وتحديداً تمركز وتعزز التهديد في مواجهتها، وبما لا يقاس بتهديد سوريا وحلفائها في مرحلة ما قبل الحرب.


مساعي نتنياهو
لتغيير نتيجة الحرب السورية ضاعت هباء

ما لم تقدم إسرائيل على تفعيل تهديداتها، التي تسوقها في الأسابيع الأخيرة في محاولة يائسة لتغيير نتائج الحرب، فإنها ستتلقى خسارة مضاعفة. فإسرائيل التي تهدد عاجزة عن تنفيذ تهديداتها، إذ إضافة إلى الأثمان والخسائر المباشرة التي ستتلقاها في حال قررت المجازفة في الميدان السوري، إنها تدرك أيضاً أن تدخلها العسكري المباشر سيكون موجّهاً أيضاً إلى الاتفاق الأميركي ــ الروسي حول سوريا، الذي لم يأتِ إلا بعدما تيقنت واشنطن أن لا خيارات عملية فعلية لديها، قادرة على تغيير النتائج، وعليه جاء قرارها بالانسحاب الفعلي، والتسليم بالوقائع، أمام الجانب الروسي وتبعاً لذلك الدولة السورية وحلفائها.
في الأسبوعين الماضيين، توجهت إسرائيل إلى واشنطن وموسكو، في محاولة منها لاستجداء تضمين الحل النهائي لسوريا، مطالب تقلب نتيجة الحرب: إبعاد إيران وحزب الله وتقليص سيادة الدولة السورية على أراضيها جنوباً ومنع إعادة ترميم قدراتها العسكرية والتدخل المباشر لمنع تواصلها الإقليمي مع العراق. اكتشفت أن الحل وضع على السكة والنتيجة باتت نهائية، وتلقت كما عبّر الإعلام العبري، فقط صورة تذكارية للوفد الاستخباري إلى جانب نظرائه الأميركيين، بينما تلقت من موسكو صورة تذكارية أيضاً، لكن أُضيف إليها «مايكرفون روسي»، ليتحدث رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، عما يشاء ويريد.
كان على إسرائيل أن تدرك مسبقاً، أن الاتفاق الأميركي ــ الروسي، الذي أقرّت بموجبه بانتصار الدولة السورية وحلفائها ميدانياً، لم يأت دون مقارعة أميركية وتعنت ومكابرة وإصرار على تغيير النتيجة، لكن دون طائل. توصلت واشنطن إلى قرارها هذا، بعدما تعذر عليها قلب المعادلات ميدانياً، إلا في حال قررت أن تتدخل عسكرياً وتزج بجنودها بقتال مباشر لا تريده ولا تقوى على تحمل تبعاته. مطالب إسرائيل في «طرد» إيران وحزب الله وتقليص سيادة الدولة السورية، هو مطلب أميركي قبل أن يكون إسرائيلياً لكنها تخلت عنه للتعذر، ما يعني أن الإصرار الإسرائيلي والصراخ حوله، لا يفيد في تغيير الموقف الأميركي.
كذلك الأمر من ناحية موسكو. الجانب الروسي يدرك أن الانتصار في الحرب، وكذلك ترسخ هذا الانتصار، وكذلك إمكان بقائه، مرتبط بشكل رئيسي (إضافة إلى روسيا) بالدولة السورية، وتحديداً بشخص الرئيس السوري بشار الأسد، وبحليفيه: إيران وحزب الله. كان على إسرائيل أن تدرك هذا الواقع وتبني عليه تقديراتها حول الموقف الروسي. تخلف أو إبعاد أي من الجهات الثلاث: الرئيس الأسد وإيران وحزب الله، من شأنه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهو ما لا تريد موسكو ولا تقوى على تبعاته. على هذه الأسس، التوافق الروسي السوري الإيراني توافق استراتيجي، ونتائجه كما منطلقاته استراتيجية، وفقدان أي طرف فيه وإبعاده، هو إضرار استراتيجي بالأطراف الثلاثة مجتمعة، ما من شأنه دفعها جميعاً إلى التمسك بالتوافق والحلف فيما بينها، وليس على المدى القصير والمتوسط، بل وأيضاً على المديات الأبعد.
خيبة أمل إسرائيل كان يمكن توقعها، سواء في واشنطن أو في موسكو، ولا عنصر مفاجأة فيما حصل. هذه النتيجة انعكست في تصريحات وتسريبات وتقارير الإعلام العبري في الأيام القليلة الماضية، ومن حق القارئ الاطلاع عليها. وهي إن كانت تكشف وضع إسرائيل وقلقها وإقرارها بالخسارة في سوريا ومحدودية القدرة لديها على تغيير نتيجة الحرب، إلا أنها تلقي أضواء على الموقف الأميركي والروسي، بما يرتبط بمجمل الساحة السورية والخاتمة المتوقعة للحرب فيها. ينقل معلق الشؤون الأمنية في صحيفة «معاريف»، يوسي ميلمان، عن مصدر إسرائيل مطلع على زيارة الوفد الاستخباري الإسرائيلي إلى واشنطن لحث الإدارة الأميركية على تغيير موقفها في سوريا، أن «لقاء الوفد الإسرائيلي في واشنطن مع المسؤولين في مجلس الأمن القومي والبنتاغون وأجهزة الاستخبارات الاميركية، هو مثل المشاركة في جنازة أو تقديم تعاز ولكن بأدوار معكوسة: المعزون هم الأميركيون، والثكالى هم الإسرائيليون، أما الجنازة فكانت مراسم دفن السياسة الأميركية في سوريا».
تشير الصحيفة إلى أن ذهاب نتنياهو إلى موسكو ولقاءه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يدل على الأهمية التي توليها إسرائيل للوضع الناشئ في سوريا، وكذلك على «حالة الذعر» التي تعتريها. وتشدد الصحيفة على أن «إسرائيل تدرك، رغم كل ذلك، أن قدرتها على التأثير ضئيلة، ومحدودة للغاية».
في تقرير للقناة «الثانية» العبرية تعليقاً على فشل زيارة نتنياهو إلى موسكو، تشير القناة بشكل واضح جداً إلى الخسارة الإسرائيلية وتداعياتها، وأيضاً إلى أسبابها: «إسرائيل منيت بالهزيمة في الحرب السورية. وهي أبرز الخاسرين. لقد تأخرت في فهم ما يجري هناك،»، أما سبب الخسارة الرئيسي، فيشير التقرير إلى «الخشية الإسرائيلية من كلفة وأثمان تدخلها العسكري في سوريا». صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشارت إلى أن مساعي نتنياهو لتغيير نتيجة الحرب السورية ضاعت هباء، وتشير إلى أنه أرسل وفداً أمنياً رفيعاً إلى واشنطن، لكنه عاد فقط بصورة جميلة عن اللقاء، وهذا كل شيء. توجه هو نفسه إلى موسكو والتقى بوتين في سوتشي، لكنه استحصل منه أيضاً على صورة تذكارية، وأيضاً على منبر لإطلاق المواقف، وليس أكثر.