مع تصعيد الجيش السوري وحلفائه للعمليات العسكرية في ريفَي حماة وحمص الشرقيين ضد تنظيم «داعش» المحاصر هناك في جيب تتناقص مساحته يومياً، يتجه الميدان السوري نحو مشهد جديد كلياً، يرجّح أن تنحصر فيه المعارك في المنطقة الشرقية، بعيداً عن مراكز مدن المنطقة الوسطى. انكفاء «داعش» شرقاً تحت ضغط الهجمات الواسعة، أعاد آلاف الكيلومترات بين أرياف حلب والرقة وحمص وحماة ــ خلال الأشهر الماضية ــ واليوم داخل أراضي دير الزور، إلى سيطرة الجيش.


وكان المحرك الرئيس لهذا التحرك، تفرّغ الجيش من جبهات مهمة وحساسة للغاية، الذي بدأ عقب حسم معركة مدينة حلب، وتكرّس على طول الجغرافيا السورية نحو الجنوب، مروراً بريف حمص والغوطة. وبرغم محاولات وقف تمدد الجيش عبر عملية عسكرية في ريف حماة الشمالي، تمكن الجيش من احتواء التحرك والعودة إلى مهماته ضد «داعش».
ومع الانطلاق القريب المتوقع لنسخة جديدة من جولات محادثات أستانا، في منتصف الشهر المقبل، تتكثف الجهود الديبلوماسية للأطراف المعنية بالملف السوري، لتعزيز اتفاقات «تخفيف التصعيد» الموقعة سلفاً، والعمل على حلّ لمنطقة إدلب ومحيطها تحت مظلة «أستانا». وبينما برز النشاط التركي «الحريص» على تجنب أي عمل عسكري في تلك المنطقة، تعمل موسكو على ضمّ لاعبين جدد لدعم مسار المحادثات.


أكد الأسد أن لا عودة إلى الوراء قبل إعادة الأمن إلى كافة الأراضي السورية

وبدا ارتفاع التفاهم بين روسيا ومصر خلال رعاية اتفاقي «تخفيف التصعيد» في غوطة دمشق الشرقية وريف حمص الشمالي، لتعود وتعلن دعمها لمبادرة السعودية لتوحيد منصات المعارضة. وخلال زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف لقطر، خرج الموقف الرسمي القطري ليعلن بدوره دعم الجهود الروسية لوقف إطلاق النار وإقامة مناطق «تخفيف التصعيد» في سوريا، والإصرار على حل سياسي وفق بيان «جنيف 1» مع التشديد على وحدة سوريا واستقلالها. وتشير تحركات المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، الأخيرة، إلى قناعته بأهمية النتائج التي وصلت إليها اجتماعات «أستانا»، وتأثيرها مباشرةً بمسار «جنيف». وبعد زيارته فرنسا وإيران لإجراء مشاورات حول الملف السوري، بحث في اتصال هاتفي أمس، مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، مستجدات ذلك الملف وجهود استئناف المحادثات في جنيف. وأوضح دي ميستورا موقف الأمم المتحدة من الجهود الحالية الهادفة لتوحيد المعارضة وتنسيق مواقفها، وعدداً من التفاصيل حول الإحاطة التي يعتزم تقديمها أمام مجلس الأمن اليوم، في ظل الرئاسة المصرية للمجلس.
وبعد أيام من زيارة المبعوث الأممي لإيران، وصل دمشق أمس، معاون وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية حسين جابري أنصاري، حيث التقى الرئيس بشار الأسد. وعرض جابري أنصاري جهود بلاده الديبلوماسية ضمن مسار الحل السياسي، في مقابل تأكيد الأسد أن «المشروع الإرهابي سقط... ولا عودة للوراء حتى استعادة الأمن والأمان إلى الأراضي السورية كافة». ويظهر تصميم دمشق على تكثيف التحرك الميداني، عبر الزخم الذي تشهده الجبهات المشتركة مع تنظيم «داعش» وكذلك مع «فصائل البادية» قرب الحدود مع الأردن. إذ سيطر الجيش وحلفاؤه أمس على 5 مخافر حدودية جديدة، تابعة لريف دمشق الجنوبي الشرقي (من 165 وحتى 169)، في إطار التحرك الهادف إلى تحرير كامل المنطقة الحدودية مع الأردن من سيطرة «فصائل البادية».
وبالتوازي، يتقدم الجيش بثبات داخل جيب «داعش» المحاصر في محيط عقيربات، حيث وصلت قواته إلى محيط بلدة المشيرفة، التي تبعد كيلومترات قليلة جنوب شرق بلدة عقيربات، في وقت يقترب فيه من إغلاق محورين ضمن الجيب. وكثّف سلاح الجو توازياً مع العمليات البرية نشاطه ضد مواقع «داعش» في المنطقة، حيث استهدف بلدات عكش وأم ميل وأبو جبيلات وعقيربات والقسطل الشمالي والجنوبي والوسطاني في ريف حماة الشرقي. ويشهد ريف الرقة الجنوبي معارك واسعة على خط القرى المحاذية لنهر الفرات، حيث يشن «داعش» هجمات على نقاط دفاع الجيش في محيط قرية غانم العلي، انطلاقاً من محيط معدان الغربي. وفي المقابل، كثف سلاح الجو نشاطه على مواقع التنظيم في المنطقة، في محاولة لوقف زخم هجمات التنظيم الأخيرة التي مكنته من استعادة عدة بلدات محاذية لوادي النهر.
وبينما شهد محورا البادية وشرق السخنة نشاطاً أقل في العمليات، أعلن «التحالف الدولي» أنه نفذ غارات تهدف إلى عرقلة تقدم قافلة تنظيم «داعش» التي خرجت من جرود القلمون نحو المنطقة الشرقية. وقال المتحدث باسم «التحالف» ريان ديلون، إن الغارات استهدفت الطريق أمام الحافلة وجسراً كانت تنوي عبوره في منطقة بين حميمة والبوكمال، إلى جانب «تدمير سيارة دفع رباعي كان واضحاً أنها تضم مسلحين فقط». وأوضح في بيان أن «نقل الإرهابيين من مكان إلى آخر، كي يتعامل معهم طرف آخر ليس حلاً دائماً». وانتقد المبعوث الرئاسي الأميركي بريت ماكغورك، اتفاق انتقال مسلحي «داعش». وأوضح في تغريدة عبر «تويتر» أنه «يجب قتل إرهابيي (داعش) في الميدان، لا نقلهم على متن حافلات عبر سوريا نحو الحدود العراقية دون موافقة العراق»، مضيفاً القول: «إن تحالفنا سيتحرك بشكل يمنع هؤلاء الإرهابيين من دخول العراق أو الفرار مما بقي من (خلافتهم) المترنحة».
(الاخبار)