الأفق الحالي بالنسبة إلى الحكام الجدد في السعودية يبدو قاتماً. ليس بأيديهم حيلة جديدة لإعادة التوازن على الأرض بعد السيطرة الصريحة للجيش و«اللجان الشعبية» على غالبية المحافظات والمدن في اليمن، إذ ربما كان الأمر لينتهي عسكرياً منذ زمن لولا الغارات السعودية المكثفة على رجال الميدان.

راهنت السعودية كثيراً على بعض القبائل التي دعمتها بالمال على مدى عقود، وظنت أن آل الأحمر وحزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون) وبعض رجال الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي قد يفعلون شيئاً على الأرض، بما يقلب الطاولة على «أنصار الله» والجيش. غير أن رياح ما يمنّون به النفس جاءت عكس ما يشتهون.

حتى «الحراك الجنوبي» عاد خطوة إلى الوراء بعدما وجد العديد من قادته أن السعودية لم تقدم لهم شيئاً حيال قضيتهم الأساسية، أي انفصال الجنوب. وبذلك، لم يبقَ للسعودية سوى المتطرّفين بمختلف ألوانهم، لتراهن عليهم وحدهم في المعارك الجارية حالياً. وبصورةٍ يومية، باتت تأتيها أنباء عن تراجعهم في محاور الاشتباكات.
في هذا الوقت، فرض الجيش و«أنصار الله» قوّتهم على الأرض، ومنعوا أي مجال للسعودية للمناورة على الأراضي اليمنية. وفيما يتكبّد حلفاء السعودية هزائم متلاحقة، يقلب «أنصار الله» الوقائع في الميدان لمصلحتهم، إلا أن ما يؤلمهم في معركتهم يبقى الحصار والتجويع المفروض على اليمنيين.
هذا هو المشهد بإيجاز، بعد مئة يومٍ من القتل والتدمير والتشريد الذي تنتهجه آلة الحرب السعودية. إذاً ماذا بعد؟ هو السؤال الذي تطرحه الرياض في الوقت الراهن.
يعتمد الحكام الجدد لشبه الجزيرة العربية على شبكة علاقاتهم الدولية. يذهب ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، إلى روسيا وفرنسا، وقريباً إلى دول أخرى. يعقد معهم صفقات خيالية بمليارات الدولارات، ويطلب منهم الدعم السياسي في حربه. يظنّ وزير الدفاع السعودي في ذلك أنه سيعيد عقارب الساعة في اليمن إلى الوراء، ويحوّله جاراً جنوبياً يعيش على فتات مساعدات أسرته، فيما حكامه ينفذون سياسة المملكة فقط.
الزمن تغيّر، والماضي من الصعب أن يتكرر. «أنصار الله» وغيرها من القوى السياسية وضعوا أمام أعينهم رسم اليمن الجديد على طريقتهم بعيداً من الإرادة السعودية. شرعيتهم كسبوها على الأرض، وفي السياسية تزداد ثقة المجتمع الدولي بعدم إمكانية الحلّ والربط، من دون أن يكون هناك رأي صريح لـ«أنصار الله».
في مسقط، تلك المدينة الهادئة المستلقية على خليج عُمان، تطبخ السياسة بهدوء وروية. يعي قادة السلطنة حجم القوى السياسية في اليمن، ولا سيما «أنصار الله». جنوب اليمن هو الأساس في اجتماعاتهم المتواصلة مع الحركة ومع قادة جنوبيين، أبرزهم الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد، ومع حيدر العطاس، آخر رئيس لهيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى لجمهورية اليمن الديموقراطي، ووزير خارجيته السابق محمد علي أحمد، حيث تدور نقاشات معمقة حول تسوية أوضاع الجنوب. ورغم أن الأمور لم تتبلور بعد، تحمل الكثير من جرعات التفاؤل، ولا سيما لناحية تسليم إدارة المناطق الجنوبية للجنوبيين. الجيش الذي يتحسّس منه الجنوبيون لن يبقى في قلب المدن، لديه ثكناته ومراكزه، سيعود إليها حتماً بعد تنظيف المدن من التطرف بمشتقاته المتنوعة. المباحثات بين «أنصار الله» والقادة الجنوبيين إيجابية جداً وفق مصادر مطلعة. وما إدانة الرئيس علي ناصر محمد للعدوان السعودي، وكلامه، في صحيفة يمنية، عن عدم شرعية رئاسة هادي إلا دليل على جدّية مباحثات مسقط.
النقاشات الجارية في مسقط تذكّر بزمن الحوار الوطني وبالورقة التي قدمتها «أنصار الله» حول وجوب أن يكون اليمن دول فدرالية من إقليمين شماليّ وجنوبيّ، تربطهما سياسية خارجية واحدة وجيش موحد، كما في الولايات المتحدة وغيرها من الدول. العثرات لا تزال كثيرة، لكن هذه المحادثات تُعدّ خطوة إلى الأمام، ستحرج «الجار» السعودي الذي يرى أمامه تقلّص الانقسامات الداخلية بين اليمنيين، مقابل تمسكه بشرعية موضع شك، ليس محلياً فقط، بل دولياً أيضاً. ففي مسقط ليست الاجتماعات عمانية ــ يمنية فقط، فجلّ سفراء أوروبا الفاعلين يلتقون باستمرار بقادة «أنصار الله» ويبحثون معهم كيفية إنهاء العدوان السعودي. أليس في ذلك انتقاص واضح من «شرعية هادي» وحكومته؟
«أنصار الله» تفعّل الحراك السياسي داخلياً وخارجياً. تسحب الأوراق واحدة تلو الأخرى من تحت بساط السعودية. تدعو في صنعاء مع حزب «المؤتمر الشعبي العام» و«البعث» وغيرهما إلى حوار سياسي حتى مع قادة من حزب «الإصلاح» ممن لم يؤيّدوا العدوان السعودي، ليؤلفوا جبهة سياسية قوية، ربما هي بداية لحكومة موسّعة تتمثل فيها الأطراف كافة، تدير البلاد في هذه الحرب، ومجلس رئاسي من القوى الرئيسية المقيمة في اليمن، لتتخذ القرارات السياسية الأساسية في هذه المرحلة.
مع مرور الأيام، تقف «أنصار الله» في وضعية أفضل. أما السعودية فتقبع مع قادتها الجدد، محمد بن سلمان ومحمد بن نايف في وضع محرج، في وقتٍ علمت فيه «الأخبار» من مصادر خاصة بأن رسائل جديدة من بعض أمراء آل سعود تصل إلى «أنصار الله»، تؤكد لهم رفضهم هذه الحرب، وتململهم من قرارات قيادتهم العدوانية تجاه اليمن.