القاهرة | أبدى عدد كبير من المنظمات الحقوقية المصرية اعتراضات على نقاط، مهمة، من مواد قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي أقرته الحكومة وتُنتظر موافقة الرئيس، عبد الفتاح السيسي، ليبدأ العمل به، فيما اعتبر المجلس القومي لحقوق الإنسان (التابع للحكومة) القانون انتهاكاً للدستور ولحقوق الإنسان.

وقال المجلس القومي لحقوق الإنسان، في بيان صدر أمس، إن «مشروع القانون الجديد لم يعرض على المجلس، وكل معرفة أعضاء المجلس عن هذا القانون (أتت) من خلال وسائل الإعلام، وهو مخالف للدستور، حيث تلزم المادة 214 من دستور 2014 الحكومة بأخذ رأي المجلس في كافة القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان».

وكانت الحكومة المصرية قد أقرت القانون في اجتماع طارئ لها، عقد بعد ساعات من وقوع الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطلع الشهر الجاري مدينة الشيخ زويد في شمال سيناء. وحدد القانون 33 جريمة مرتبطة بالإرهاب وأقرّ العقوبات الخاصة بها، وقد شملت مواده عدة بنود أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والصحافية، نظراً إلى احتوائه على العديد من المواد التي تتعارض مع الدستور ومع القواعد القانونية.
وفي بيان مشترك صدر أمس، رفضت 20 منظمة حقوقية مستقلة بنود القانون الجديد، ودعت الحكومة إلى إجراء تعديلات عليه تناسب المواد الدستورية وتضمن عدالة المحاكمات وعدم المساس بالحريات الشخصية وحرية الصحافة والإعلام. ولخصت المنظمات أسباب رفض القانون الجديد في كونه يحتوي على تعريفات "مطاطة" للعمل الإرهابي، وقد يساوي بين الأحزاب والنقابات والتنظيمات الحقوقية وبين الجماعات الإرهابية، إذ اعتبر أنّ الجماعة الإرهابية هي "كل جماعة أو هيئة أو منظمة مكونة من 3 أشخاص على الأقل، أي كان شكلها القانوني وأي كانت جنسيتها، تهدف إلى واحدة أو أكثر من جرائم الإرهاب». وعرّف العمل الإرهابي بأنه كل استخدام للقوة أو للعنف أو للتهديد أو للترويع في الداخل أو الخارج بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر، أو إيذاء الأفراد أو إلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم العامة أو الخاصة أو أمنهم للخطر.
وشمل تعريف العمل الإرهابي في القانون أيضاً كل سلوك يرتكب بقصد تحقيق أي من المذكور في الفقرة السابقة أو الإعداد لها أو التحريض عليها، وهو ما وصفته المنظمات الحقوقية، في بيانها، بـ"التعريفات المطاطة". وفيما لم يشترط القانون بأن يكون «السلوك» عنيفاً، ذكر البيان أنه وفقاً لهذه المادة من الممكن اعتبار الفعاليات السلمية (كتسيير التظاهرات أو كتابة المقالات أو عقد المؤتمرات) أعمالاً إرهابية، تصل عقوبتها في بعض الحالات إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
كذلك، رفضت المنظمات الحقوقية، إضافة إلى نقابة الصحافيين، بعض المواد في القانون التي تمسّ بوضوح بحرية الصحافة والإعلام، إذ اعتبرت المادة الثامنة من القانون أنّ من وسائل تمويل الإرهاب الإمداد ببيانات وبمعلومات بأي وسيلة، بما في ذلك الشكل الرقمي. وبالنظر إلى تعريف العمل الإرهابي، يمكن تطبيق هذا البند على المواقع الإلكترونية للمنظمات الحقوقية والصحف ومواقع الأخبار إذا ما نشروا بيانات أو موضوعات تتعلق بالاقتصاد مثلاً، خصوصاً أنّ القانون يصنف أعمالاً إرهابية القيام بأي سلوك من شأنه الإضرار بالاقتصاد الوطني.
ورفضت نقابة الصحافيين المادة 33 من القانون لأنها تتيح حبس الصحافيين لمدة عامين إذا ما نشروا أي شيء يخالف البيانات الرسيمة الخاصة بالعمليات الإرهابية، ما يمنع الصحافيين من نشر أي روايات مختلفة عن الروايات الرسمية في أي من الوقائع التي يعتبرها القانون أعمالاً إرهابية. وهي المادة التي اجتمع بشأنها، أمس، بعض أعضاء مجلس نقابة الصحافيين مع رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، لمناقشة إلغائها والاكتفاء بنصوص قانون العقوبات في هذا الشأن.
وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، رأى محلب خلال الاجتماع أنه "عندما وافقنا (الحكومة) على قانون الإرهاب، لم يكن في قصد أي أحد التضييق على حرية الصحافة والإعلام، بل المقصود هو حماية الأمن القومي المصري، وحماية الروح المعنوية للجنود الذين يدافعون عن هذا الوطن". وأشار البيان إلى تأكيد وزير العدل أنه "كان يجب أن يؤخذ رأي نقابة الصحافيين في هذا القانون، وأن يُعرض القانون للحوار المجتمعي".
وفي سياق متصل، قدّم عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، ناصر أمين، قراءة مفصلة لبنود القانون، قال فيها إن القانون يخرج عن مبدأ تناسب العقوبة مع الجريمة، ويساوي في العقوبة بين من قام بالجريمة التامة ومن شرع ومن حضّر لها، ويكرّس مبدأ الإفلات من العقاب، إذ منح حصانة للموظفين المكلفين تنفيذه وجعل لهم سلطة مطلقة في استعمال القوة أثناء تنفيذ القانون وخلال عمليات القبض. وأوضح أمين أن هذه المادة تحديداً تفتح الباب لفساد المكلفين تنفيذ القانون وتسهل تورطهم في جرائم القتل والتعذيب وتحدّ من ولاية القضاء والنيابة في مساءلتهم عن ارتكاب الجرائم أثناء عمليات القبض أو التفتيش.
وأضاف ناصر في الورقة التي نشرها مركز «عدالة» الذي يرأسه، أن هذا القانون يخلّ بحق دفاع المتهم عن نفسه وبتقديم ما يراه مناسباً لإثبات براءته أمام المحكمة، إذ نصت المادة 50 على اعتبار أنّ كل الأحكام التي تصدر وفقاً لهذا القانون أحكاماً حضورية في حق المتهم في حال حضور وكيل عنه وقدم دفاعه. إضافة إلى ذلك، يقرّ القانون عقوبات على "الأفكار" وليس الجرائم لأن المادة 25 نصّت على المعاقبة بالسجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات لكل من روّج أو أعد للترويج، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، لارتكاب أية جريمة إرهابية سواء بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى، فضلاً عن تقليص الحق في التقاضي من درجتين إلى درجة واحدة في كل القضايا التي ينظر بها وفقاً لهذا القانون، الذي سيُخصص أيضاً دوائر معينة للنظر في قضايا الإرهاب (وهي نقطة يبدو أنّ المجلس الأعلى للقضاء يرفضها).
ويكرّس القانون الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية الواردة في قانون الطوارئ الاستثنائي، في قانون عام دائم، إذ جاءت صياغة المادة 54 ووفق صياغات فضفاضة بتقرير صلاحيات استثنائية لرئيس الجمهورية تحت دعوى قيام خطر من أخطار الجرائم الإرهابية.