غزة | منذ شباط الماضي وسلطة الأراضي في قطاع غزة تعمل على تجريف أراضٍ في منطقة صُنِّفَت أثرية (راجع العدد ٣١٠١ في ٩ شباط ٢٠١٧)، وذلك استكمالاً لمشروع حكومي بتعويض موظفي حكومة حركة «حماس» السابقة بأراضٍ بدلاً من مستحقاتهم المالية المتراكمة منذ سنتين على الأقل.


تل السكن، الواقع جنوب مدينة غزة وتبلغ مساحته 200 دونم، لم يبقَ منه سوى 90 دونماً، وقد خُصص منه في إطار «مشروع التعويض» ما يزيد على 12 دونماً لموظفي «حماس» وفقاً لوزارة السياحة والآثار في غزة، في وقت أعلن فيه رئيس «سلطة الأراضي»، التي تديرها الحركة أيضاً، كامل أبو ماضي، التوقف عن عمليات التجريف مؤقتاً، وذلك «إلى حين تسوية الخلافات بين الأطراف»، وهو ما قد يسمح ببقاء جزء صغير من التل شاهداً على التاريخ القديم لغزة!
الخلافات المشار إليها هي جزء من حالة التناقض بين أذرع حكومة غزة، حتى إن وزارة السياحة التي كانت بنفسها حاضرة في لجان شُكلت لاتخاذ قرار يسمح بتجريف التل وخرجت بقرار يثبت أن لا آثار في تلك المنطقة، تصرخ اليوم بأعلى صوتها لإيقاف التجريف! حتى المتخصصون في الآثار، ممن حادثتهم «الأخبار»، كان لهم في كل مرة رأي مغاير، فتارة يصنّفون تل السكن موقعاً أثرياً مهماً، وتارة يصير غير أثري ويُباح تجريفه، ومنهم من رفض الحديث لوسائل الإعلام.
مع ذلك، يجزم أساتذة تاريخ بأن تل السكن «موقع أثري لا جدال فيه»، ومنهم نهاد الشيخ خليل الذي قال إنه وجه «رسائل عدة إلى اللجنة الإدارية (شكلتها «حماس» لإدارة القطاع) وسلطة الأراضي ووزارة السياحة للتوقف عن تجريف ما بقي من التل». كذلك استنكر مسؤولون في وزارة السياحة أعمال الحفر «دون إذن مسبق» منها، موضحة أن «الفوضى والفراغ الأمني عام 2007 أسهما في التهام جزء من أراضي المواقع الأثرية بالإعمار والبناء دون مراقبتها».
وعلمت «الأخبار» من مصادر خاصة أن بلدية الزهراء (الواقع ضمن نطاقها تل السكن) كانت قد تلقت تعليمات من جهات عليا بتجنب التدخل، بل السماح لمن وزعت عليهم الأراضي من الموظفين بالتجريف هناك والتمهيد للبناء عليها. وبعد مدة قصيرة، أمرت وزارة الداخلية (منذ أسبوع) بوقف التجريف، علماً بأن الموظفين المنتفعين من تلك الأراضي، ومنهم مسؤولون في الحكومة، هم من اختاروا تلك المنطقة بسبب حيويتها وارتفاع سعر الأراضي فيها، البالغة 280 ديناراً أردنياً للمتر، وهم الآن يبيعونها بـ230 ديناراً لحاجتهم إلى المال.
ووفق المعلومات، كانت أراضي مدينة الزهراء، ومن ضمنها أراضي تل السكن، قد وُزّعت على موظفي الحكومة السابقة بدءاً بدرجة مدير عام فما فوق، كما أن منهم نواباً. حتى إن بعضهم كتب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عندما صدر أمر بوقف التجريف انتقدوا فيه ذلك، ثم عادوا وحذفوها.


كانت أراضي مدينة الزهراء قد وُزّعت على موظفي الحكومة السابقة


يشار إلى أنه كان يقطن تلك المنطقة سابقاً مواطنون فقراء في بيوت من الزينكو طالبتهم حكومة غزة بتركها دون تعويض، وقد أخرجوا منها بالقوة، مع إقرارهم بأنها أراضٍ حكومية، وهي من ناحية ثانية أثرية. وقد اكتشف موقع تل السكن عام 1998 أثناء بناء مجمع سكني لشركة «الظافر» للإسكان، حيث ظهرت بقايا معمارية لأسوار من الطوب اللبني وبقايا معمارية أخرى وأساسات منازل وبقايا جدران، إضافة إلى كميات كبيرة من القطع الفخارية المختلفة، كان آخرها جرة فخارية نادرة تعود إلى العصر البرونزي عام 3500 قبل الميلاد. وهذه الجرة تحديداً عثرت عليها وزارة السياحة والآثار مطلع آب الجاري أثناء أعمال المتابعة والترميم.
ومنذ 1999 و2000، نقبت بعثة فرنسية مع خبراء آثار فلسطينيين ليمثل ذلك بداية اكتشافات مدينة تل السكن الكنعانية، علماً أن التماثيل والجدران الطينية لا تزال ثابتة في المكان، كما أكد أساتذة تاريخ في جامعات بغزة. ولكن لماذا يجري تمليك الموظفين هذه المنطقة بالذات ولم لا يعوضون بأراضٍ أخرى رغم أن فكرة التعويض نفسها واجهت النقد؟ يشرح رئيس «سلطة الأراضي»، أبو ماضي، أن «لجنة كانت قد شكلت نهاية العام الماضي بحضور سلطة الأراضي والأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة الأشغال والحكم المحلي ووزارة السياحة والآثار... وكل هؤلاء أعطوا سلطة الأراضي إذناً بأعمال التجريف، والآن يثار الموضوع مجدداً»، مضيفاً: «ثمة إفادات بأن منطقة تل السكن تبعد ثلاثة كيلومترات عن المكان الذي يجري فيه التجريف، لذلك شكلت لجنة ثالثة لإنهاء الخلاف بالتزامن مع وقف عمليات التجريف».