تونس ــ الأخبار

أعلن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، مساء أمس، تشكيلته الوزاريّة الجديدة، التي شملت خلافاً للتوقعات أربعة أسماء لمسؤولين محسوبين على نظام الرئيس زين العابدين بن علي. وجاء ذلك في وقت عبّر فيه رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي، بطريقة غير مباشرة، عن رغبته في تأجيل الانتخابات البلديّة إلى السنة المقبلة، وهو الاستحقاق الذي يعرف الجميع أنّ «حركة النهضة» هي الوحيدة تقريباً التي تجهزت له، لذا يخشى الجميع الأمر. إضافة إلى ذلك، لمّح قائد السبسي إلى قراره بإعادة البلاد إلى مرحلة الاستقطاب بين «المدنيين/ العلمانيين» و«الإسلاميين»، في خطاب لا يُكسب إلا انتخابياً.

حكومة برائحة «التجمّع»

بُني النظام السياسيّ الجديد في تونس على مقدمة منطقيّة مفادها أنْ لا عودة إلى الوراء، لكن يبدو أنّ حزب «نداء تونس»، وهو حزب رئيس الحكومة ورئيس الدولة، لم ينسَ معاركه التي تأسس عليها، ولعلّ أهمّها معركة منع قانون إقصاء كوادر «حزب التجمع الدستوريّ الديموقراطيّ» من الترشح في الانتخابات. والأمر بات جليّاً اليوم: ردّة لا سابقة لها منذ 14 كانون الثاني/ جانفي 2011.
تحمل تشكيلة يوسف الشاهد الحكوميّة الجديدة، إثر التعديل الذي أُعلن أمس، والتي وصفها رئيسها بأنّها حكومة «حرب»، أربعة أسماء «تجمعيّة»، منهم من كان مناضلاً في صفوف الماكينة الديموقراطيّة اسماً والديكتاتوريّة جوهراً، وآخر كان من ضمن «خبراء» استعان بهم بن علي لتيسير تحوّل الاقتصاد إلى النيوليبراليّة.


يبدو أنّ حزب «نداء تونس»
لم ينسَ معاركه التي
تأسس عليها

البداية مع حاتم بن سالم، وهو دكتور في القانون، عُيّن عام 2002 منسقاً عاماً لحقوق الإنسان في وزارة العدل وحقوق الإنسان، في وقت اشتدت فيه حملات القمع والمحاكمات السياسيّة. ومكافئةً له على جهوده، جال بن سالم في مناصب دبلوماسيّة قبل أن يحطّ الرحال في وزارة التربية والتعليم، حيث عُرف بصفقاته المشبوهة وإجراءاته التي سخر منها المعلمون والأساتذة ونقاباتهم طويلاً. لم يستمر كثيراً في منصبه، إذ دهمته الثورة في 2011. لكن الرجل ليس من طينة المستسلمين، فقد حاول العودة بعد الثورة إلى وزارته، وانتهى به المطاف في مركز الدراسات الاستراتيجيّة التابع لرئاسة الجمهوريّة، ذلك بعدما أقنعه الباجي قائد السبسي بأنّ وقت عودته لم يحن بعد. قبع بن سالم في المركز، وكانت حصيلة دراساته «صفراً»، إذا ما استثنينا بعض الندوات المرتجلة، إلى أن حانت الساعة: وزير تربية وتعليم جديد في حكومة الشاهد.
الوجه الثاني من وجوه النظام السابق هو رضوان عيارة، وهو أيضاً في طريقه لنيل شهادة الدكتوراه في القانون. ألحق عيارة قبل الثورة بالعمل الدبلوماسيّ في ألمانيا، وشغل هناك خطة كاتب عام لشعبة حزب التجمّع. وعلى غرار بن سالم، عاد بعد فوز «نداء تونس» إلى الواجهة السياسيّة، إذ عُيّن والياً (محافظاً جهويّاً) في عام 2015. وصار عيارة في التركيبة الحكوميّة الجديدة وزير نقل.
أما الشخصيّة الثالثة، فهي رضا شلغوم، وهو متحصل على شهادة عليا في تمويل التنمية وإجازة في العلوم الاقتصاديّة. لم يكن شلغوم متحزباً، وهو من فئة التكنوقراط الذين كثّف بن علي من الاستعانة بهم في سنوات حكمه الأخيرة، حيثّ عُيّن رئيساً لهيئة السوق الماليّة، وشغل خطة رئيس ديوان وزير المال قبل أن يصير هو نفسه وزيراً للماليّة في بداية عام 2010 لمدة عام واحد أنهته الثورة. لكنّه على غرار سابقيه عاد من جديد، ومن بوابة قصر الرئاسة أيضاً، حيث عُيّن عام 2016 مستشاراً اقتصاديّاً لرئيس الجمهوريّة. ويشغل شلغوم في التشكيلة الحكوميّة الجديدة منصب وزير المال.
وأخيراً، تشمل التركيبة هشام بن أحمد، وهو أستاذ جامعيّ في المدرسة العليا للتجارة. كان بن أحمد أحد أهم الفاعلين في «حزب التجمع»، إذ كان من خلال رئاسته «منتدى القرن الواحد والعشرين» يعكف على تكوين العناصر القياديّة الشبابيّة في الحزب. ومن الناحية المهنيّة، عُيّن بن أحمد في مناصب في وزارة التجارة وفي مواقع إداريّة أخرى، إلى أن صار واليّاً عام 2010. اختفى «التجمعيّ العائد» إلى أن عُيّن في التشكيلة الحكوميّة الجديدة في منصب كاتب دولة لدى وزير التجارة مكلفاً التجارة الخارجيّة.

انتخابات بلديّة مؤجّلة؟

إلى جانب استعادة وجوه النظام القديم (وسياساته؟)، يبدو أن رئيس الجمهوريّة قد عقد العزم على تأجيل الانتخابات البلديّة المبرمجة نهاية العام الجاري. من الناحية الإجرائيّة، يجب أن يوقّع رئيس الجمهوريّة دعوة للناخبين قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات، وحتى تجري الانتخابات في موعدها (17 كانون الأول/ ديسمبر) يجب توقيع الدعوة قبل يوم 9 أيلول/ سبتمبر، أي قبل يوم الأحد المقبل. لكن رئيس الجمهوريّة عبّر في مطلع هذا الأسبوع عن امتناعه عن توقيع الدعوة قبل سد شغور عضوين في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وهو ما يتطلب قطع العطلة البرلمانيّة وعقد دورة استثنائيّة.
وقد صرّح عبد الكريم الهاروني، وهو رئيس مجلس شورى «حركة النهضة»، بأن كتلة الحركة البرلمانية لم تنجح إلى الآن في جمع تواقيع تسمح لها بعقد الدورة الاستثنائيّة. يعني ذلك أن نواب «نداء تونس» يعطلون الإجراء، ما يعيد ترتيب الأوراق من جديد، علماً بأنّ الحزبين كانا في السابق متفقين على ضرورة عقد الانتخابات قبل نهاية السنة الحاليّة.
ويبدو موقف رئيس الجمهوريّة متساوقاً مع مواقفه الأخيرة الحادة تجاه «النهضة». ولا يخلو الأمر من حسابات سياسيّة، إذ يبدو أن قائد السبسي يستعيد خطابه المناوئ للإسلاميّين السابق لانتخابات 2014. ويرى قياديون في «النداء» أن مواقف الحزب اقتربت في العامين الماضيَين أكثر مما يجب من مواقف «النهضة»، ما يستدعي إعادة الزخم إلى طرحهم لجذب قاعدتهم الانتخابيّة.
وذلك بالضبط ما يقوم به الرئيس التونسي، إذ بطرحه قضيّة المساواة في الميراث بين الأنثى والذكر وتلميحه بأن محاولته لتحديث «حركة النهضة» قد باءت بالفشل (راجع الكادر أدناه)، فإنّه يستدعي ثنائيّة علمانيّين/ إسلاميّين مرة أخرى، ويؤجل من ناحية ثانية الانتخابات إلى العام المقبل لاستكمال ضبط خطاب الحزب. ويهدد كلّ ذلك بأن تجري الانتخابات (مرة أخرى) على أسس أيديولوجيّة عوض أن تكون على أساس برامج انتخابيّة متكاملة.





«مع النهضة... أخطأنا التقييم»

في حوار صحافي أخير أجرته «الصحافة اليوم» مع الرئيس التونسي، ونُشر أمس، استعاد الباجي قائد السبسي، مرحلة عام 2014، ومرحلة إدخاله البلاد في حكم أساسه ثنائي، يجمع حزبه إلى جانب «حركة النهضة»، إلا أنه أدخل خطاباً جديداً، إذ قال: «للأسف لم تكن الأحزاب التي كانت تصنّف مدنية تمتلك وعياً سياسياً بدقّة المرحلة والتقاط الفرصة من أجل سدّ الطريق أمام مَنْ كان يسعى على الدوام إلى شَكْلٍ مِنْ أشكال الرِّدّة المجتمعية». وأضاف: «وجدنا أنفسنا في وضع دقيق أوجب علينا التصرّف وأخذ القرار: الدخول في تحالف حكومي يكون حَلاً للمشاكل المطروحة أو على الأقلّ لا يزيدها تعقيداً، ولم تكن أمامنا سيناريوات أخرى لتحقيق هذه الأهداف، «النهضة» كانت جاهزة لذلك، إضافة إلى أحزاب أخرى بما أتاح حينئذ فرصة تشكيل تحالف حكومي... هي قبلت وليس بشروطها، وقلنا على الأقلّ نُساهِمُ بذلك في جَلْبِهَا إلى خانة المدنية، لكن يبدو أنّنا أخطأنا التقييم».