عمان | سيناريو اقتصادي قاسٍ يلوح فوق رؤوس الأردنيين بعدما نُشرت خطة عن «نيات» الحكومة و«صندوق النقد الدولي» في ما يتعلق بتعديل الوضع المالي وقانون الضريبة المعدل، إذ بادرت السلطة التنفيذية (الحكومة) إلى مخاطبة جهة خارجية هي البنك الدولي، من دون الرجوع إلى مجلس الأمة الذي انتهت دورته الاستثنائية ولم يدع بعد إلى الدورة العادية، وهو ما يصنف قانوناً، أو عرفاً، على أنه تعدٍّ على مهمات السلطة التشريعية والرقابية.


وفي أوقات سابقة، تمت زيارات دورية لـ«صندوق النقد الدولي» للمملكة، كان هدفها إجراء «مراجعات لخطة السلطات في الجوانب الاقتصادية للعام الجاري وما بعده»، لكنها عملياً كانت تمثل مراقبة لتنفيذ «السياسات الرشيدة» والشروط التي تعهدت بها الحكومة الأردنية من أجل تقليص «مواطن الضعف ودعم النمو». لكن، في ظل هذا الالتزام الأردني، هل تحقق تحسن ملحوظ على الوضع الاقتصادي جراء الشراكة مع «البنك الدولي» التي بدأت منذ أكثر من ربع قرن ببرنامج «التصحيح الاقتصادي»؟
بعثة «البنك الدولي» توقعت في تقرير أخير أن «تظل آفاق النمو الاقتصادي في المملكة خجولة على المدى المتوسط». أما الأرقام التي أوردها التقرير، فتظهر مقدار المديونية التي وصلت إلى حدود 38 مليار دولار أميركي، مع تراجع طفيف للعجز المالي. مع ذلك، بقي الدين العام يمثل ما يقارب 96% من الإيرادات، كما وردت في التقرير نفسه أرقام متواضعة وخجولة للنمو الاقتصادي وارتفاع في معدلات التضخم القابلة للزيادة، كما تبين ارتفاع معدل البطالة مقارنة مع السنوات الماضية.


أكثر من 75%
من إيرادات الموازنة
في المملكة هي
من الضرائب

لكن البعثة قالت إن الأردن يواجه «بيئة خارجية صعبة» في ظل ما يحدث في سوريا والعراق، وخاصة مع تحمله فاتورة اللجوء السوري (المقدر بأكثر من 660 ألف لاجئ مسجلين) وسط تراجع دولي في تقديم المساعدات، علماً بأن هذا اللجوء لم يكن الوحيد خلال السنوات العشر الماضية، إذ سبقته موجات لجوء عراقي منذ عام 2003 بوتيرة متذبذبة. ومع أن توافد العراقيين لم يكن على صورة مخيمات لجوء، كما الحال مع السوريين، فإنها أحدثت تغييراً اقتصادياً تمثل في ارتفاع الأسعار، وخاصة العقارات.
ومنذ تولي الملك عبدالله الثاني مقاليد الحكم عام 1999، عيّن 12 رئيس حكومة لغاية اليوم بتشكيلات مختلفة، لكنهم جميعاً لم يستطيعوا حل الإشكالات الاقتصادية، بل ارتفعت المديونية خلال هذه السنوات بنحو 28 مليار دولار.
أما الآن، فتنوي الحكومة تخفيض الإعفاءات الضريبية للأفراد والعائلات بمقدار النصف، أي توسيع قاعدة الدخل الخاضع للضريبة، وبذلك يكون الحد الأدنى للخضوع للضريبة هو 500 دينار أردني (تقريباً 700 دولار أميركي)، يقتطع منه الضمان الاجتماعي. وإذا أقرّ قانون ضريبة الدخل، فسيذهب خمس هذا الدخل كضمان اجتماعي وضريبة عدا ضريبة المبيعات التي يدفعها المواطنون مباشرة. كما تحدثت «رسالة النيات» عن رفع سقف الضريبة للأفراد والشركات والبنوك، مدعية اعتمادها على نظام ضريبي «أكثر تقدمية وعدالة».
من جانبٍ آخر، ذكرت الحكومة أنه بالتشاور مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID» ستقوّم الخيارات لتوسيع قاعدة الدخل الخاضعة للضريبة، وتقوية الامتثال الضريبي بهدف إصلاح قانون ضريبة الدخل بحلول نهاية تشرين الثاني المقبل. ومن الجدير بالذكر أن أكثر من 75% من إيرادات الموازنة في المملكة هي من الضرائب، وما تبقى تأتي من المنح والمساعدات.
كذلك، اختتمت الرسالة الحكومية لـ«صندوق النقد»، باستعداد الأولى لاتخاذ أي إجراءات إضافية «ربما تكون مناسبة لتحقيق برنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي تبنته، مضيفة أنها ستستشير الصندوق في شأن تبني هذه الإجراءات.
يعقّب النائب في البرلمان الأردني خالد رمضان على «رسالة النيات» بالقول إن الموضوع متعلق أساساً بمجلس النواب، متهماً الحكومة بأنها تحركت من خلف ظهر النواب. ويرى أيضاً أن ذلك يوجب «مسؤولية مباشرة يجب أن يتحملها المجلس تجاه هذا العبث بالسياسات والإدارة وغياب احترام الدستور».
أما الناشطة الحقوقية والمحامية، ليندا كلش، فقالت إن هذا القانون «سيضرب البنية الاجتماعية، وسيتسبب في ارتفاع العنف المجتمعي»، مضيفة أن «الدولة أعطت وعوداً لصندوق النقد الدولي أكثر من كونها نيات... مع أن الرسالة غير ملزمة، فإنها تعبر عن توجهات الحكومة التي لا تختلف عن سابقاتها في كيفية تعاملها مع الأزمة الاقتصادية». وفي بداية هذا العام، إثر صدور تقرير «ديوان المحاسبة»، تقدمت كلش ببلاغ إلى النائب العام لفتح تحقيق في ما جاء في التقرير، ذاكرة أن تلك المخالفات «هدر للمال العام»، كما بدأت بحملة تحت مسمى «حركوا نوابكم» من أجل ضغط المواطنين على نواب مناطقهم.
من جهة أخرى، ذكر رئيس «جمعية المحاسبين القانونيين» السابق، محمد البشير، أن «رسالة الحكومة لصندوق النقد ليست رسمية، إذ يجب أن تأخذ المقترحات الموافقات التشريعية والقانونية، وهذا لم يحدث بعد». ويرى البشير أن ما تحاول الحكومة فعله هو «تغطية عجزها عن معالجة الأزمة الاقتصادية بادعاءات وآليات ستؤدي في حال تبنيها إلى انكماش في الاقتصاد، وتراجع في مردود ضريبة المبيعات يفوق ما يمكن تحصيله من الضرائب الجديدة على رواتب الطبقة الوسطى التي تئنّ من الضرائب وارتفاع الأسعار». أما عن «صندوق النقد»، فقال إنه «يتعامل مع الدول من منطلق سياسي لا اقتصادي، وهو الآن يمارس الضغوط على الجانب الأردني بعد التوافقات مع النظام السوري وروسيا في ما يتعلق بالهدنة وفتح الحدود».
ويُتوقع في حالة إقرار سلسلة ضرائب جديدة أن تسود الشارع موجة من الرفض، لكنها ربما لن تكون شبيهة بالاحتجاج على قرارات حكومة سمير الرفاعي عام 2010 التي سقطت في بداية الحراك عام 2011، رغم تشابه عدد من الظروف، وذلك في ظل تحالف رأس المال مع السلطة السياسية، وخاصة لو صدّق مجلس النواب وترك الجمهور بلا حامٍ.