اللاذقية | في السنة الثالثة للحرب، غادر «يحيى» مدينته حلب إلى مدينة مرسين التركية، مصطحباً معه زوجته، متأبّطاً صورة مؤطّرة يطل من تحت زجاجها المهشم، وجها أبيه وأمه يوم عرسهما. ترك وراءه أنقاض بيته ومطعمه الصغير، الذي كان يعتاش منه، وعدة أعواد ريحان مبلّلة بدموعه على رخام قبر ابنه الشهيد، الذي خطفت أعوامه الأربعة قذيفة هاون.


وبمرور سنة عمل خلالها في مطعم لأقربائه هناك، افتتح بالشراكة مع رجل تركي من أصول سورية مطعماً شعبياً لا يتجاوز عدد طاولاته الخمس، وسرعان ما حظي بإقبال السوريين الذين يعتبرون القدوم إلى مطعمه فرصة للقاء بعضهم بعضاً من جهة، وفرصة للتكاتف مع أبناء وطنهم من جهة أخرى. «السوريين بره سورية، أحن على بعضهم من يلي ضلوا بالبلد، بيشعروا بوجع بعضهم، لأن أغلبهم جرّب التشرد والخوف» يقول يحيى. ويضيف أنّ الإقبال على مطعمه لا يقتصر على السوريين، بل لديه أيضاً «زبائن أتراك متعاطفون مع القضية السورية، وكذلك سياح من مختلف الجنسيات». وهؤلاء جميعاً يجذبهم اسم المطعم المكتوب باللغة العربية: «يا مال الشام» الذي اختاره بعناية، لأنه يعرف أنه سيكون عامل جذب للسوريين والمتعاطفين معهم، على اعتبار أن اللافتات المكتوبة باللغة العربية هي بمثابة إعلان وجود السوريين، فضلاً عن لافتات «هنا نتكلّم العربيّة» التي يلصقها البعض على واجهات محالهم.
لكن يبدو أن حُسن طالع يحيى وغيره من السوريين في جذب الزبائن، لم ينل استحسان الحكومة التركية، التي أطلقت منذ أواخر شهر نيسان الفائت حملة لإزالة اللافتات المكتوبة باللغة العربية عن المحلات، في إطار حملة للحفاظ على اللغة التركية. الحملة التي بدأت في مرسين وأضنة ووصلت إلى هاتاي - التي يشكل العرب غالبية سكانها - يقال إنها ستشمل جميع المدن التركية، الأمر الذي أدى باللاجئين إلى اعتبارها حملة تستهدف وجودهم وأرزاقهم.


أطلقت السلطات التركية حملة لإزالة اللافتات العربية
عن المحال
أما الحُجة التي ساقتها البلدية، فهي أن «اللافتات العربية تشوه المنظر العام، وتهدد بانتشار اللغة العربية على حساب اللغة التركية». ذريعة البلدية لم تقنع السوريين، لأن البلديات تتغاضى عن إزالة اللافتات المكتوبة باللغة الإنكليزية. «القرار وراءه التجار الأتراك المفكرين ان السوريين عم يسرقوا زبائنهم لأننا منقبل بأسعار أقل، ولأن في تعاطف مع السوريين المهجّرين بطبيعة الحال»، يقول يحيى، الذي أزال لافتة مطعمه خوفاً من دفع غرامة، واستبدل بها أخرى باللغة التركية، وهو وإن لم يفقد زبائنه المعتادين، فإن حظوظه في جذب زبائن جدد وسياح أجانب باتت أقل.
العدائية تجاه اللاجئين واعتبار وجودهم تهديداً لمصالح أهل البلد المستضيف، قائمة أيضاً في «الشقيق» لبنان، الذي تم فيه إغلاق محال للسوريين في عدة مناطق بحجج مختلفة. هذا فضلاً عن ملاحقة العمال السوريين ومن يحاول تشغيلهم، وتهديدهم بالسجن لكونهم يعملون دون تصاريح عمل. «أغلب السوريين في لبنان يعملون عمالاً في المطاعم ومحطات الوقود، ومن يوفق منهم بالعمل في مؤسسات أو شركات، يعمل وفق عقود عمال تنظيفات، وإن كانوا يشغلون وظائف أخرى، من باب التحايل على قانون العمل»، تقول صحفية سورية، تعمل في مركز للدراسات في بيروت. وتشير إلى أنها وإن لم تعانِ كثيراً في الحصول على عمل، نظراً إلى علاقات زوجها، إلا أنها تعمل «دون عقد يضمن حقوقها، لكونها تقيم في لبنان بناءً على زواجها بلبناني، ولا يحق لها العمل حتى كعاملة نظافة». وتتحدث عن ابن أخيها القادم حديثاً إلى بيروت، الذي جُلّ طموحه الحصول على عمل في أحد المطاعم، رغم أنه يحمل شهادة ماجستير في الهندسة الزراعية. أما في المقلب الآخر، فـ«مراد»، اللبناني الذي شارك في أكثر من حملة تدعو لإغلاق محال السوريين في لبنان، يرفض لصق مصطلح «خطاب الكراهية» بتلك الحملات. ويشرح أن السبب الوحيد هو حقيقة أن السوريين سبّبوا تضييق الخناق على اللبناني «اللاجئون السوريون يأخذون مساعدات من المنظمات الإغاثية، التي غالباً ما توفّر لهم المسكن والمدارس لأولادهم، لذلك لا ضير لديهم من العمل بأجور زهيدة جداً، وهذا يقطع رزق المواطن اللبناني الذي لا يستطيع القبول بمثلها، لأنه ملتزم دفع نفقات إيجار بيت ومدارس وغيرها».
النظرة إلى السوري كمنافس على لقمة العيش لا تقتصر على من نزح إلى الخارج، فهذه النظرة تلاحق النازح في الداخل السوري أيضاً. ويمكن ملاحظتها بوضوح في الوافدين من الداخل إلى اللاذقية وطرطوس، ولا سيما الحلبيون الذين افتتح الكثير منهم مطاعم ومحال للألبسة المستعملة والأطعمة والحلويات، فضلاً عن مستحضرات التجميل والأدوات المنزلية. وبات أصحاب المهن منهم معروفين لدى الأهالي، ويحظون بشعبية، لكونهم يعملون لقاء أجور قليلة. ورغم أن «سكة حلب لم تعد مقطوعة»، لم يرجع إليها إلا قلة من الحلبيين ممن كانوا يقيمون في مراكز الإيواء أو يعملون في المهن الحرة، فيما بقي من لديهم مشاريع تجارية ويستقرون في بيوت الإيجار ــ التي يُتهمون أيضاً بالتسبب بارتفاع أسعارها ــ وهؤلاء يعتبرهم تجار اللاذقية السبب في ركود سوق أهل المدينة، ولا سيما أن الحلبيين معروفون بحنكتهم في التجارة ونشاطهم.
«الحلبي وين ما رنتيه برن» يقول أبو تركي، الذي جاء إلى اللاذقية منذ سنوات الحرب الأولى هو وعائلته، وافتتح محلاً لبيع العطور والألعاب، ولم يعد إلى حلب بعد تحريرها. ولا يبدو أنه يفكر في العودة في المستقبل القريب، لكونه استأجر محلاً ثانياً لبيع الملابس الأوروبية المستعملة، علاوة على تزويج ابنته لأحد اللاذقانيين. «عقد إيجار المحلين سنوي، يعني دافع فوق المليونين، عدا عن البضاعة، وصار عندي زباين، فطبيعي ما أترك شغلي ورزقي وأرجع أبدأ من جديد بحلب وسط الأنقاض، وها الحكي عن أننا منافسين أهل اللاذقية بأرزاقهم، أبوس روحك لا بقى تقوليه، ما نحن كمان من سوريا، وما جينا من الموزمبيق لك خيت!» يختتم أبو تركي حديثه.