غزة | حتى الأندية الرياضية في غزة، التي تتبع غالبيتها للمؤسسات الأهلية، وتتلقى منحاً من السلطة الفلسطينية أو القطاع الخاص، تحوّلت إلى ساحة تغري كلاً من المتخاصمين في حركة «فتح»، و«التيار الإصلاحي المنشق» عنها، ويقوده النائب في «المجلس التشريعي» محمد دحلان. لعبة أخرى، لكن ليس بالكرات والروح الرياضية، بل لاستفزاز الطرفين أحدهما للآخر على حساب احتياجات لنوادٍ ينقصها الدعم المالي والمعنوي، فضلاً عن أنها تخوض معركة بقاء في ظل تمييز من السلطة بدفع الأموال أكثر لنوادي الضفة المحتلة مقارنة بالقطاع.


وبمجرد أن تنامت أخبار مساعدات مالية سيقدمها دحلان، شبيهة بتلك التي قدمها إلى طلاب الجامعات وذوي العقم وحفلات الزواج الجماعي على مدار ثلاث سنوات مضت، صدرت تهديدات فتحاوية بقطع مخصصات الأندية في حال تسلّم «منحة دحلان»، في تهديدات مماثلة وصلت إلى جامعة الأزهر في غزة، التابعة لـ«فتح»، إذا ثبت تلقيها تمويلاً «تحت أي عنوان» من الإمارات عبر دحلان.
ويعمل دحلان على تضخيم دوره بدخوله في أكثر من مجال، سياسي واقتصادي وأمني واجتماعي وأكاديمي، وحالياً رياضي، فهو بذلك يرى أنه يصل إلى أكبر قدر ممكن من الجماهير، ويخلق صورة عن قيادي فلسطيني يضخ الأموال من أجل الناس، خاصة أن المنحة الخاصة بالشباب لا تزال توزع في هذه الأيام 60 دولاراً على كل شاب عاطل من العمل.
هذه المرة جاءت المنحة الرياضية بقيمة 300 ألف دولار للأندية ولجمعيات ومواقع رياضية. وفيما تشير الأصابع إلى أنّ صاحب التهديد بقطع التمويل عن أندية غزة هو رئيس «اللجنة الأولمبية الفلسطينية»، جبريل الرجوب، الذي يعادي دحلان، اكتفت مصادر داخل الأندية بالقول إن رسائل «دسّتها أطراف من فتح تشدد على رفض تلقي المنحة».


قدم دحلان 300 ألف دولار إلى نوادٍ وجمعيات ومواقع رياضية


رغم التحذيرات، توجهت جميع الأندية ــ عدا واحد ــ إلى أحد فنادق غزة الأربعاء الماضي لتسلّم المنحة، وذلك «تعطشاً لمنح تنعش واقع الرياضة المتردي مهما كانت مصادرها»، على حد قول مسؤول «الملف الرياضي» في تيار دحلان في القطاع، بهاء مطر. وفي الحفل، وزعت المنحة بمقدار عشرة آلاف دولار على أندية الدرجة الممتازة، وسبعة آلاف على الأولى، وأربعة على الثانية، بالإضافة إلى ألف دولار لخمسة مواقع رياضية، كذلك قُدم دعم مالي إلى «جمعية قدامى الرياضيين»، و«منتدى رواد الحركة الرياضية»، بجانب روابط المشجعين.
ويبلغ عدد الأندية الرياضية في غزة 56 موزعة على أربع درجات: الممتازة (12 نادياً) والأولى (12) والثانية (16) والثالثة (16)، وكلها تعاني صعوبات مادية، كما أوضح مطر، إذ «يكلف فريق كرة القدم الواحد ما يزيد على مئة ألف دولار»، علماً بأن مدخولات النادي الواحد لا تزيد في أحسن الأحوال على 25 ــ 30 ألفاً، فيما يُغطى العجز عادة بالمنح.
ويرى «التيار الإصلاحي» أن التهديدات التي تلقتها النوادي لا قيمة لها، خاصة أن مساعدات السلطة تُعطى لتطوير الأندية فقط قبيل انطلاق الدوري في التاسع والعشرين من الشهر الجاري. كذلك إن رام الله في غير وارد تخريب الدوريات المحلية باستثنائها غزة كلياً، فضلاً عن أنها لا تخصص سوى ربع الموازنة العامة للرياضة لغزة، فيما تكون البقية من حصة نوادي الضفة، حيث تُبنى هناك الملاعب دون تلبية احتياجات القطاع.
وبينما رفض رئيس أحد الأندية الرياضية المحسوبة على حركة «فتح» في غزة التعليق على ما جاء من تهديدات، تسلّم ممثل عن ناديه ما خصص لهم من المنحة التي قدمها دحلان، رغم أن ذلك يخالف التعليمات التنظيمية. هنا يذكر متابعون للشأن الرياضي في فلسطين أن قبول الأندية هذه الأموال له عدة أسباب. ويقول الإعلامي في «اتحاد الكرة»، مصطفى صيام، إن أهم تلك الأسباب عجز النوادي عن توفير مستلزمات اللاعبين ومكافآتهم، وقلة عدد الملاعب نتيجة الانقسام والحصار، وغياب الانتخابات في تلك الأندية، إضافة إلى «الفوارق الواضحة بين أجور اللاعبين بين الضفة والقطاع والإمكانات المتاحة لهم».
يضيف صيام: «اتحاد الكرة الفلسطيني يعطي أولوية لأندية الضفة على صعيد الدورات، كذلك يقتصر تشكيل المنتخب الوطني على لاعبي الضفة فقط، وكذلك الحال بالنسبة إلى البعثات التي تشارك بها فلسطين في المسابقات العربية والدولية، مع ضرورة الإقرار بأن الاحتلال الإسرائيلي يُسهم في منع الاستفادة من لاعبي غزة الذين يرفض خروجهم من معبر بيت حانون، في ظل إغلاق معبر رفح مع مصر».
مع ذلك، يبقى الاختبار الرئيسي لمستقبل الرياضة في غزة بانتظار قرار رئيس السلطة، محمود عباس، الذي إن صرف المنحة المرتقبة للأندية، فإنه يكون قد أسهم في إبقاء حال الرياضة في غزة بعيداً عن المناكفات السياسية، لكنه إذا قرر قطع الأموال عنها، فستصير ساحة مفتوحة لغريمه دحلان. ووفق الأرقام الرسمية، تقدر منحة عباس بـ25 ألف دولار لكل نادٍ من الدرجة الممتازة، وعشرة آلاف دولار لكل نادٍ من الدرجة الأولى.