منذ اللحظات الأولى للكشف عن قضية الإسرائيليين اللذين من المفترض أنهما في قبضة حركة «حماس»، كان واضحاً أن السبب وراء سكوت إسرائيل، كل هذه الفترة الطويلة، عن اعتقالهما، يعود إلى كون أحدهما إثيوبياً أسود، والثاني عربياً بدوياً. ونتيجة لذلك، لم تبادر الحكومة الإسرائيلية إلى تحريك قضيتهما، في الإعلام والسياسة وفي اللقاءات مع المؤسسات والزعامات الدولية، كما كانت تفعل مع أسراها السابقين في غزة ولدى حزب الله.

هذه الخلفية لم تكن غائبة عن عائلة الإثيوبي التي عبّرت عن هذه الحقيقة، على نحو صريح ومباشر، وخصوصاً في ظل أداء القيادات السياسية، بعد أشهر على اختفاء ابنهم. وما عزّز هذا التصور لديها، هو أداء ومواقف ممثّل رئيس الحكومة لشؤون الأسرى والمفقودين، ليئور لوطان، عندما وجه تهديدات إلى العائلة، وحذرها من انتقاد كيفية معالجة الحكومة الإسرائيلية لهذه القضية، أي بعبارة أدق، عدم ربط أداء ومعالجة الحكومة بالموقف العنصري العام الذي يجتاح إسرائيل، قيادة وجمهوراً، من اليهود الإثيوبيين.

ولو لم توثِّق «القناة العاشرة» هذه الفضيحة، لما تحوّلت إلى عاصفة في الساحة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، ولا سيما أن التهديد تضمّن إبقاء الأسير منغيستو في أسر «حماس» في قطاع غزة، إذا جرى ربط قضيته بالعنصرية. وإدراكاً منه لخطورة ما تفوّه به، حذّر لوطان العائلة من توثيق المحادثة معه، لكن العائلة أكدت أنها لم تكن الجهة التي وثّقت ذلك.
وبهدف تجنّب تفاعل هذه القضية في الوسط الإثيوبي، واحتواء الموقف، بادر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى زيارة عائلة الإثيوبي في «اشكلون»، حيث أكد أنه لن يدّخر جهداً لإعادته. وأتى ذلك، بعدما دعا العائلة للقائه في القدس، لكنها طلبت تأجيل الموعد بسبب وعكة ألمّت بالأم، لذا استغل نتنياهو الموقف واتجه بنفسه إلى منزل العائلة.
أيضاً، يبدو أن نتنياهو طلب من ممثله الاعتذار، فوصل إلى بيت العائلة، أيضاً، حيث قدم اعتذاره أمام الكاميرات، فأعربت العائلة عن قبول اعتذاره. وأكد لوطان أنه تفوّه بكلام لم يكن ينبغي قوله، وقال «أشعر بحاجة عميقة إلى تقديم اعتذاري أمام العائلة»، موضحاً أن الكلام الذي تفوّه به «لا يعكس طريقة إدارتي وقيمي وطريقة تفكيري، وبالتأكيد لا يعكس رأي رئيس الحكومة». وتعهّد للعائلة العمل، في كل وقت وكافة السبل معاً ومع أجهزة الدولة، من أجل إعادته إلى عائلته معافى.
وكان نتنياهو قد اتصل بالعائلة، خلال وجود ممثله عندها، ولدى سؤاله عن تجاهل قضية ابنهم والرسائل التي وجّهوها إليه، ادعى نتنياهو أنه مطلع على كل تفاصيل القضية، مشيراً إلى أن الكشف عنها كان يمكن أن يضع صعوبات أمام مفاوضات إطلاقه.
ومع انتهاء المحادثة مع نتنياهو، وجّه لوطان تهديدات إلى العائلة، مرة أخرى، بالقول إن توجيه الانتقادات لنتنياهو لن يساعدهم، مؤكداً أن أمام العائلة خيارين: إما توجيه الاتهام إلى حركة «حماس» وتحميلها المسؤولية أو تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية. وكرّر لوطان تهديداته، بلهجة حادّة، محذراً من أن ربط قضية منغيستو بقضية اليهود الإثيوبيين، سيبقيه في الأسر في قطاع غزة لسنة أخرى. وأكد لوطان للعائلة ضرورة العمل مع حكومة نتنياهو، حتى لا تستغل حركة «حماس» القضية وتترجم ذلك سنوات أسر أخرى أو ثمناً أكبر.
وبعدما شددت العائلة على أن نتنياهو لم يردّ على رسائل العائلة، قال لوطان إن بإمكانها التوجه لمن تشاء. عندها رد عليه أحد أشقاء منغيستو بما مفاده أنهم ناضجون، ليرد لوطان بالقول: «رئيس الحكومة إنسان أيضاً.. هل تعتقدون أن هذا الأمر هو الأهم في العالم؟». وفي هذه اللحظة، توجه إليه أحد أفراد العائلة طالباً منه إبداء الاحترام للعائلة والتحدث بهدوء.
بعد العاصفة التي أثارها الكشف عن هذه الفضيحة، ونشر مضمون اللقاء بين ممثل نتنياهو والعائلة، وجّه عضوا الكنيست إيلان غلؤون (ميرتس) وحاييم يلين (يوجد مستقبل) رسائل إلى رئيس الحكومة، طالبا فيها بإقالة لوطان من منصبه. أما رئيس حزب «البيت اليهودي»، نفتالي بينيت، فقد رأى أن ممثل «رئيس الحكومة أخطأ، وكلنا يخطئ»، مؤكداً أن نيّته كانت جيّدة عبر تجنّب الانكشاف أمام الإعلام بما يرفع الثمن لدى «حماس». في المقابل، أشار إلى أن الإعلام أخطأ، على نحو متعمّد، و«هذا ما ينبغي أن يتوقف».
(الأخبار)