تونس | لم يدُر في خلد الدكتور عزّ الدين بن حميدة، المختصّ في العلوم الاقتصاديّة والاجتماعيّة، أن يؤثّر في يوم من الأيام ما يكتبه بشأن تونس وعلاقاتها الأوروبيّة في مساره الوظيفيّ في بلد يصرّح بأنّ الحريّة عمود من أعمدة جمهوريّته. لكنّ الحريّة، التي تجاور أختيها المساواة والإخاء (شعارات الجمهوريّة الفرنسيّة) في مطلع الرسالة التي تلقاها الأستاذ يوم 8 أيلول/ سبتمبر 2017، ناقضت محتوى الرسالة الموجّهة من رئيس أكاديميّة نيس: «أُعلِمك بفتح مسار إجراء تأديبيّ بحقك في موقع عملك. وأنت في واقع الأمر معاتب بالتحديد على تحرير كلام معيب وقادح ومحرّض على الكراهيّة في حقّ فرنسا ومسؤولين ومواطنين فرنسيّين في وسائل إعلام تونسيّة».


قد يبدو الربط بين الضغط الوظيفيّ والآراء السياسيّة غريباً للوهلة الأولى، لكن الأمر، كما يشرح بن حميدة في حوار لـ«الأخبار» معه، واضح. يرتبط إيمانويل إيتيس، رئيس أكاديميّة نيس (وهو مسؤول جهويّ عن التعليم الرسميّ)، بعلاقة صداقة بأوليفيّ بوافر دارفور، سفير فرنسا في تونس، حيث عملا سويّة سابقاً في إذاعة «فرنسا الثقافيّة». يفصّل بن حميدة في الموضوع، قائلاً: «منذ كتابتي مقالاً نقديّاً حول حوار أجراه سفير فرنسا في تونس مع "موايان أوريون"، علمت أنّ السفارة قد كوّنت ملفاً حولي وأنّي مُتابع في فرنسا. أرسل لي مفتشان للعمل في شهر نيسان/ أفريل، وقد حذراني جانبيّاً من أن لي مواقف مسيئة إلى فرنسا وإلى مسؤولين فرنسيّين ونصحاني بتغييرها».
المسألة بالنسبة إليه سياسيّة دون شكّ، فهو لا يكتب آراءً تشوّه أشخاصاً بعينهم، بل ينتقد سياسات في أعمدة صحف ومواقع تونسيّة فرنكوفونيّة معروفة. كذلك فإن الأمر لا يتعلق بأهواء وكلام سطحيّ، إذ يقول: «لي خبرة في البحث والتدريس تتجاوز العقدين، وقد أنجزت أطروحتي للدكتوراه حول اتفاقيّة الشراكة التونسيّة الأوروبيّة لسنة 1995، لذلك أنا أعلم عن ماذا أتحدث».
ويكفي الاطلاع على كتابات عزّ الدين بن حميدة والحديث معه في تفاصيلها حتى نعلم ما يغضب السلطات الفرنسيّة. يعتبر بن حميدة أنّ اتفاقيّة الشراكة التونسية ــ الأوروبيّة فشلت في تحقيق الفرضيّات التي توقعها الجانب التونسيّ، وهي بالتالي تصبّ في اتجاه واحد. فقد قامت الاتفاقيّة على فرضيّات هي بناءات نظريّة في نهاية المطاف، وسقط بعضها، ما يعني أنّ النظريّة التي احتوتها ساقطة أيضاً. من ذلك مثلاً، افتراض تحقيق معدل نسبة نموّ سنويّة بـ7%، فيما الواقع يقول إنّ معدل نسبة النمو التي تحققت منذ عام 1996 (تاريخ دخول الاتفاقيّة حيّز التنفيذ)، إلى حدود عام 2010 كان 4.5%.
وإذا ما وضعنا المسألة في إطارها العام، تزداد الصورة نقاءً. يشير بن حميدة إلى أنّه «بدل العمل على مراجعة اتفاقيّة الشراكة المختلة، خاصّة أنّها ترافقت مع سياسة خصخصة واسعة النطاق، جرى بعد الثورة العمل على تكريسها والدفع بها قدماً من خلال التفاوض على نقلها إلى مصاف الشراكة الشاملة والمعمّقة». والمسألة في رأيه لها وجهان، وجه محليّ متعلّق بخلل لدى النخب الحاكمة، ووجه دوليّ متعلّق بهيمنة دوليّة، فرنسيّة خاصّة، على تونس.
يفتقر المسؤولون السياسيّون التونسيّون، بالنسبة إلى الأكاديمي التونسي، إلى الكفاءة اللازمة للتفاوض، كذلك فإنّهم مسكونون بفكرة أن تكون «مساعدتهم» من الغرب، فهم «يجهلون تاريخ الأمم، ويعانون من عقدة المستعمر ومن الانبهار الأعمى بالغرب، إضافة إلى الفساد المنتشر في صفوفهم». كذلك إنّ جزءاً من أزمة تونس بعد الثورة هو بحث الحكام عن اعتراف دوليّ بهم، وهو يقول في السياق: «لا يمكن فهم زيارة رئيس الحكومة النهضويّ حمادي الجبالي لأوروبا بعد الثورة وإسراعه لتوقيع بروتوكول بدء المفاوضات لتعميق الشراكة، إلّا بكونها بحثاً عن الاعتراف بشرعيّة وجود حركة النهضة كقوّة سياسيّة».


بن حميدة: تريد فرنسا تفريغ فقرها في تونس، وعلى حساب دولتنا

بالنسبة إلى بن حميدة، هنا بالتحديد توجد جذور المشكل، إذ «لا يمكن فتح حدود بلد بالكامل في ظلّ غياب توازن تامّ في كفاءة اليد العاملة وقيمة العملة والبنية الاقتصاديّة وتنوّع النسيج الصناعيّ والبنية التحتيّة ومستوى العيش؛ يجب في أقلّ الأحوال أن تترافق حريّة حركة السلع ورؤوس الأموال مع حريّة حركة البشر على الجانبين». ومن غير المعقول ترك زمام الأمور في يد نخبة أوليغارشيّة ترتبط عضويّاً بفرنسا، «فهؤلاء يملكون المال والإعلام والسياسية، ويدرس أبناؤهم في مدارس فرنسيّة، لذلك هم لن يتضرروا».
لا تنبع النظرة «الأبويّة» للسفير الفرنسيّ في تونس، التي انتقدها بن حميدة في مقال منفصل يرى أنّه فجّر أزمته المهنيّة الحاليّة، من فراغ. إنما هي وليدة ارتباط نخبة أوليغارشيّة وسياسيّين يفتقرون إلى الكفاءة، بتحالف دوليّ يشمل البنك الدولي وصندوق النقد الدوليّ ومنظمة التجارة الدوليّة، بقيادة فرنسا، وهو أمر طبيعيّ بوصف باريس الشريك الاقتصاديّ الأوّل لتونس، أي الجهة صاحبة المصلحة الأكبر في التغيّرات الاقتصاديّة التي تعرفها البلاد.
ولتدقيق القول الأكثر، يقول محدثنا، إنّ الرهانات الغربيّة المباشرة اليوم في تونس هي نقل التبادل الحرّ من مجال المواد المصنّعة (وهو الوضع القائم حاليّاً) إلى مجالات الاقتصاد الأخرى، خفض قيمة الدينار أكثر إلى مستوى متّفق عليه، والعمل على تحصيل حقّ الملكيّة للأجانب. وهو يرى أنّ النقطة الأخيرة ترتبط «بإرادة فرنسا في تفريغ فقرها في تونس، فهي تواجه الآن مشكلات في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعيّ، وتريد تثبيت أجور التقاعد في معدّل ألف ومئتي أورو للفرد، وهو مبلغ لا يكفي للعيش بكرامة في فرنسا، لكنّه يكفي بالتأكيد للعيش على نحو جيّد في تونس». ويتابع قائلاً: «توجد الآن جالية أوروبيّة ــ فرنسيّة خاصّة ــ وازنة في تونس، لكنهم يريدون قطع خطوة أخرى إلى الأمام من طريق تمكينهم من الامتلاك، وهو ما سيخلق مشاكل في سوق العقارات المحليّ... فرنسا تريد حلّ مشاكلها على حساب تونس».
ورغم الاستهداف السياسيّ الذي يتعرّض له عزّ الدين بن حميدة في لقمة عيشه، في ضرب من ضروب «المراقبة والعقاب» التي تُذكِّر بالممارسات الاستعماريّة للإمبراطوريّة الفرنسيّة، فإنه يؤكد عدم تراجعه عن مواقفه الناقدة لكلّ ما يرى أنه يمسّ بسيادة تونس وأمنها الاقتصاديّ. وفي تذكير يليق بمقام مصابه، يقول بنبرة واثقة: «لقد استشهد شقيق والدتي في حرب الجلاء عن مدينة بنزرت عام 1962، وقد رفض اقتراحات رفاقه بالتراجع وأصرّ على المقاومة ما دامت في جعبته ذخيرة. أنا أيضاً لن أستسلم ما لم يجفّ الحبر عن قلمي».