بانتظار أن تعلن أربيل نتائج الاستفتاء، بدأت بغداد بالانتقال تدريجياً إلى المرحلة التالية في سياق استيعاب نتائج التصويت، والرد على «عناد» رئيس الإقليم مسعود البرزاني و«تأديبه». حتى أمس، كان التهديد ــ المحلي والإقليمي ــ لا يزال سيد الموقف، إلا أن إفراج رئيس الحكومة حيدر العبادي عن أولى خطوات المواجهة يشي بأن اشتباكاً قد يقع في الأيام المقبلة، في حين جاءت مواقف الرئيس التركي أكثر حدّةً، قياساً بتلك الصادرة عن أنقرة في الأيام الماضية.


أما طهران، فقد ارتكزت مواقفها على ربط المشروع الانفصالي الكردي بتل أبيب، ومصلحة الأخيرة في قيام دولةٍ شبيهة بإسرائيل، عند حدودها الغربية.
الموقف العراقي الذي خرج به العبادي عقب الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء العراقي، بـ«حظر بغداد للرحلات الجوية الدولية من وإلى الإقليم، بعد ثلاثة أيام، إذا لم تسلّم أربيل إدارة المنافذ الحدودية لهيئة المنافذ الاتحادية، وإخضاع المطارات للحكومة الاتحادية»، كان أولى ترجمات كلمة العبادي السابقة، فجر أمس. وأكّد أن حكومته «ستصعّد من إجراءاتها لتحميل من قاموا بالاستفتاء المسؤولية وليس المواطنين»، مشيراً إلى أن «السلطات الاتحادية سنفرضها في الإقليم... والمناطق المتنازع عليها يجب أن تعود إلى السلطة الاتحادية حسب الدستور، ولدينا إجراءات في هذا الجانب، وقواتنا الأمنية ستدافع عن كل العراقيين، بضمنهم مواطنونا الأكراد».
تهديدات بغداد «الجديّة» وفق معلومات «الأخبار»، دفعت البرزاني إلى الدعوة لـ«وقف تهديد الكرد بسبب الاستفتاء، والعمل معاً على حل المشاكل عبر الحوار، وليس بلغة التهديد»، وذلك في أول مواقفه بعد إجراء الاستفتاء.
«المشهد ضبابي حتى الآن»، وفق مصدر عراقي رفيع. إلا أنّ هذا المصدر يلفت في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن «خيارات مواجهة الاستفتاء مفتوحةٌ على أوسع أبوابها»، ملمّحاً إلى التحركات الميدانية للقوات العراقية و«الحشد الشعبي» وفصائل المقاومة في المناطق المتنازع عليها، وتوجّه بعضها إلى محيط مدينة كركوك، في رسالةٍ واضحة إلى أربيل بأن «قواتنا جاهزة لتنفيذ أي أمرٍ صادر عن قائد القوات المسلحة (العبادي)».
وتقود معلومات أخرى، حصلت عليها «الأخبار»، إلى أن المرحلة الثانية من عمليات استعادة الحويجة، والمتوقع انطلاقها في الأيام القليلة المقبلة، قد تشهد مواجهات بين قوات «الحشد» ومسلحي «البشمركة»، خاصّةً إذا عمدت الأخيرة إلى عرقلة أيّ تقدّم أو بادرت إلى «استفزاز» المتقدمين. فـ«البشمركة»، بوصف مصادر أمنية وقيادية في «الحشد»، قد «تمادت كثيراً طوال الفترة الماضية أثناء قتالنا لداعش، والوقت قد حان لتأديبها، ذلك أن التوقيت الحالي هو الأنسب لإعادتها إلى حجمها الطبيعي».

العبادي وإدارة الأزمة
تذهب بعض المصادر العراقية إلى تحميل مسؤولية مآلات الأمور إلى العبادي وفريقه، وتراخيه في إدارة الأزمة، والتنازل لمصلحة البرزاني في العديد من منعطفات الحرب على «داعش»، وتكريسه «لشرعية رئاسة البرزاني»، التي يفتقدها بموجب الدستور الكردي.
العبادي وجد نفسه مجبراً على مواجهة البرزاني، بعد تعويل فريقه على «عدم جديّة» إجراء أربيل للاستفتاء. فتعنّت البرزاني في المضيّ قدماً وإجراؤه، ألزما العبادي بالانتقال من لغة «الحوار» إلى لغة «المواجهة»، مشدّداً على أن «الحكومة الاتحادية في بغداد لن تتنازل عن وحدة العراق وسيادته». ورأى في مؤتمره الصحافي الأسبوعي أن «القيادات الكردية ارتكبت خطأً استراتيجياً وتاريخياً»، متمسّكاً برفض «بغداد إجراء أي مفاوضات مع الإقليم في ما يتعلّق بنتائج الاستفتاء»، بوصفه «غير دستوري».
وإن كان الفريق المؤيّد للعبادي يشيد بـ«حنكته» في إدارة الأزمة مع أربيل، فإن بعض «الوسطيين» في «حزب الدعوة» (الحزب الذي ينتمي إليه العبادي) يأسفون لـ«محاولات الرجل الإبقاء على هامش الحوار، فيما واجبه القانوني هو التصدّي بالقوّة لأي حركة انفصالية». وتتساءل هذه المجموعة «الوسطية»: «إذا كان البرزاني لم يُعِر اهتماماً لقرار المحكمة الرافض لإجراء الاستفتاء، فلماذا يواصل تمسّكه بها؟».
هذا التساؤل على تمسّك العبادي بما تبقى من دورٍ مؤسساتي للدولة العراقية، يقابله طرح ميداني لخطّة حصار «الإقليم»، وذلك بتصريح مصدر بأن «جزءاً من مهمات القوة العراقية التي أرسلت إلى تركيا هو للمشاركة في مناورات مع الجيش التركي، فميا الجزء الآخر يستهدف السيطرة على المنافذ الحدودية».

مواجهات كلامية بين أنقرة وأربيل
تأكيدات العبادي أن الاستفتاء «غير شرعي» قابلها ردّ للبرزاني، أمس، بأن «الدستور العراقي سمح بإجراء الاستفتاء»، مشيراً في كلمته إلى أن أربيل حريصة على استكمال الحوار مع بغداد. وتابع أن «شعب كردستان قرر إرسال رسالة واضحة لحكومة بغداد ودول الجوار من خلال الاستفتاء»، مضيفاً أن «الطريق أمامنا لا تزال صعبة، لكن إرادتنا لن تنكسر أبداً».
وبالرغم من كل التحذيرات، واصل البرزاني تشبّثه بإقامة الدولة الكردية، قائلاً إن «النظام الفدرالي هو الأمثل للدولة الجديدة، وإقليم كردستان دخل مرحلة جديدة بعد الاستفتاء».
وسبق موقف البرزاني تحذير تركي وصف بالأقسى منذ إعلان الأوّل إجراء الاستفتاء في نهاية الربيع الماضي، إذ قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن «أكراد العراق سيتضورون جوعاً إذا قررت تركيا منع مرور الشاحنات والنفط عبر حدودها»، مشيراً إلى أن «جميع الخيارات العسكرية والاقتصادية مطروحة على الطاولة». وأضاف في كلمته: «سيكونون في مأزق عندما نبدأ بفرض عقوباتنا»، معتبراً أن الأمر سينتهي بهم «عندما نوقف تدفق النفط. كل عائداتهم ستختفي». وختم أردوغان كلمته باتهام البرزاني بـ«الخيانة»، ذلك أنه «حتى اللحظة الأخيرة لم نتوقع أن يرتكب البرزاني مثل هذا الخطأ، المتمثل في إجراء الاستفتاء، لكننا كنا مخطئين في ما يبدو».
(الأخبار)