حتى منتصف ليل أمس، بدا الترقّب في بغداد وفي أربيل متحكماً بمشهد «ما بعد استفتاء كردستان»، برغم أن الطرفين سعيا إلى إبراز مزيد من الأوراق تحضيراً لتطورات الأيام المقبلة بعد إعلان «المفوضية العليا للانتخابات» أن أكثر من 92% من المشاركين في الاستفتاء صوتوا بـ«نعم» للانفصال عن العراق.


وسط ذلك، برز إعلان الخطوط الجوية المصرية واللبنانية والأردنية والتركية وخطوط «فلاي دبي» تعليق تسيير رحلاتها إلى إقليم كردستان العراق ومنه، بدءاً من يوم غد الجمعة، وذلك بناءً على طلب السلطات العراقية، ما دامت أربيل لم تسلمّ مطاري أربيل والسليمانية للسلطات العراقية.
وأثناء جلسة للبرلمان العراقي، حضرها رئيس الوزراء حيدر العبادي، وغاب عنها النواب الأكراد، صدّق النواب على قرار يُلزم الحكومة بنشر قواتها في مناطق متنازع عليها مع إقليم كردستان، والسيطرة على حقولها النفطية، بما فيها محافظة كركوك. ويُلزم القرار، وفق النص الذي نقلته وكالة «الأناضول» التركية، القائد العام للقوات المسلحة، وهو رئيس الوزراء بـ«اتخاذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية، للحفاظ على العراق وحماية مواطنيه، ولإصدار أوامره للقوات الأمنية بالعودة والانتشار في جميع المناطق المتنازع عليها وبضمنها كركوك وفقاً لما كان عليه الحال قبل تاريخ 10 حزيران 2014»، أي تاريخ سقوط مدينة الموصل بيد «داعش». ونصّ القرار أيضاً على «استدعاء (بغداد) سفراء وممثلي الدول التي لديها ممثليات ومكاتب في الإقليم لإبلاغهم بإغلاقها ونقلها إلى محافظات خارجه».
وبينما دعا النص رئيس الجمهورية (الكردي) فؤاد معصوم، إلى «القيام بواجباته المنصوص عليها بالدستور بالمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدة وسلامة أراضيه»، وشدد على وجوب «عدم (قبول) الحكومة الحوار المشروط إلا بعد إلغاء نتائج الاستفتاء»، تناقلت مصادر عراقية أنّ «النواب الأكراد راسلوا رئيس البرلمان سليم الجبوري، بغية الدعوة إلى إجراء حوار».
وبرغم أنّ مصادر كردية وصفت القرار بأنه «بمثابة إعلان حرب»، تسعى المؤسسات العراقية إلى استكمال أعمالها ومواجهة الاستفتاء بالسبل القانونية والدستورية، وسط غضب عام في الشارع العراقي، وتحميل البعض المسؤولية للحكومة لعدم «تعاملها الحازم مع مشروع البرزاني».
وتُقابَل التهديدات الصادرة عن بغداد، التي من شأنها أن تصل إلى حدود اللجوء إلى القوة العسكرية وفق مسؤولين رسميين، برفع سلطات أربيل شعار «الانفتاح على التفاوض والحوار»، علماً بأنّ المسؤولين الأكراد القريبين من فريق البرزاني، يتساءلون أثناء الحديث إليهم عن إمكانات بغداد وقدرتها على فرض أمر واقع عسكري في مواجهة «البشمركة». ويصل هؤلاء إلى حدّ إدراج «اللهجة المرتفعة للعبادي في خانة مواجهته للضغوط التي يتعرض لها من قبل منافسه نوري المالكي وفريقه»، مضيفين: «نحن لا نأخذ مواقف الحكومة على محمل الجد».
وبينما تتابع شخصيات ضمن الفريق الموالي للبرزاني، حديثها بالقول إنّ الأمور في مرحلة ما بعد الاستفتاء يجب أن «تسير بصورة طبيعية، ذلك أنّ الاستفتاء ليس ملزماً قانونياً ولا يعني الانفصال المباشر، وبالتالي لا يجب على الحكومة رفع سقوفها»، يبدو لافتاً أنّ البعض في أربيل «يترقب موقف المرجعية الدينية في العراق».
على المستوى الإقليمي، يبدو لافتاً ازدياد مستوى الثقة في لهجة مسؤولين عراقيين رفيعين تجاه «أهداف أنقرة»، متحدثين عن أنّ «مستوى التعاون يرتفع». الأمر نفسه تجاه طهران برغم كل الالتباسات التي ظهرت أخيراً على خط بغداد ــ طهران.


أعربت طهران
عن استعدادها
«لأي تعاون» مع العراق عند الحدود
ولا بدّ أنّ بغداد تعوّل على موقف إقليمي شبه موحّد، «أو أقله ثلاثي، إلى جانب تركيا وإيران»، تحت سقف «وضع حدّ لتداعيات الاستفتاء وضبط جموح البرزاني»، وذلك في وقت يترقب فيه المتابعون طبيعة الموقف الذي من المفترض أن يخرج اليوم عن قمة الرئيسين التركي والروسي رجب طيب أردوغان، وفلاديمير بوتين، خلال لقائهما في تركيا اليوم.
في الأثناء، كان لافتاً أمس، ما نُقل عن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، لناحية «إعلان خريطة طريق أعدتها بلاده لمواجهة تفكك العراق بعد الاستفتاء غير المشروع». وفي تصريح لوكالة «مهر» للأنباء الإيرانية، قال النائب الإيراني جبار كوجكي، إن «شمخاني أعلن خلال اجتماع مغلق في البرلمان رسم خريطة طريق جديدة بغية الحفاظ على وحدة العراق». وأوضح كوجكي نجاد أنه جرى خلال الاجتماع التشديد «على استمرار العمل بين الحكومة المركزية العراقية وإيران وتركيا، الذي انطلق لمنع الاستفتاء غير المشروع... (وأنّ) شمخاني تطرق إلى إجراء لقاءات مع بعض المجموعات في الإقليم إلى جانب تطبيق عقوبات وفرض حصار في المرحلة الجديدة... وصرّح (شمخاني) بأنه ينبغي للحكومة المركزية العراقية أن تعبّر عن مطالبها صراحةً من المؤسسات الدولية وتركيا وإيران».
وفي معرض الحديث عن تطورات بغداد وترقبها إزاء المستجدات، يشير سياسيون إلى بروز دور رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول الركن عثمان الغانمي، في المرحلة الحالية، إذ بعد زيارته أنقرة قبل أيام، وصل أمس إلى طهران، حيث خرج لقاؤه بنظيره الإيراني محمد باقري، بموقف واضح من الأخير، يقول إنّ «البلدين لديهما مواقف مشتركة بشأن رفض الاستفتاء... (وطهران) ترفض التغيير الجغرافي في العراق»، مضيفاً أنّ بلاده مستعدة لـ «أي تعاون» مع الجانب العراقي عند الحدود المشتركة. جدير بالذكر أنّ رئيس هيئة أركان الجيش التركي الجنرال خلوصي آكار، «سيزور طهران على رأس وفد عسكري رفيع المستوي الاسبوع المقبل»، وفقاً لإعلان إيراني صدر أول من أمس.
(الأخبار)