أثارت العملية البطولية التي نفذها الشهيد نمر الجمل، مجموعة من الأسئلة التي فرضت نفسها على المؤسستين السياسية والأمنية في تل أبيب، بدءاً من الرسائل التي تنطوي عليها هذه العملية، ما إن كانت مؤشراً على بداية نمط جديد من العمليات. وفي المقابل، ما هي خيارات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة هذا النمط، احتلت العملية القاسية في نتائجها ورسائلها، صدارة اهتمام الوسط الإسرائيلي، بكافة أذرعه الرسمية وغير الرسمية.


وكشفت زيف الأوهام التي حاولت القيادات الإسرائيلية ترويجها حول نجاح المؤسسة العسكرية والأمنية في إخماد الانتفاضة التي انطلقت منذ نحو سنتين نُفِّذ خلالها نحو 400 هجوم، ومحاولة هجوم بمختلف الوسائل. وأكدت العملية للرأي العام مرة أخرى أن فترة الهدوء مهما طالت مدتها لأسباب مفهومة تتصل بالتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وأجهزة السلطة، إلا أنها سرعان ما ستتبدد مع نجاح مقاوم من الشعب الفلسطيني في تمزيق الأوهام التي يريدون تسويقها في الوسط الفلسطيني. ومما يميز رسالة هذه العملية، أنها كانت مدوية في أصدائها وحضرت بقوة لدى كافة الأطراف الصديقة والمعادية بأن كل محاولات التخدير والاحتواء والقمع لن تحول دون أن يمارس الشعب الفلسطيني حقه وواجبه في مقاومة الاحتلال. وما يرفع من مستوى القلق في تل أبيب أن المنفذ لا ينتمي تنظيمياً إلى أي فصيل من فصائل المقاومة، وهو ما يعني أنه من قرر وخطط ونفذ، ويفسر أيضاً، المفاجأة التي واجهت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي بات عليها أن تشرح لماذا لم يكن لديها انذار موضعي.
والقضية الأخرى التي تحتاج الأجهزة العملانية إلى تفسيرها هي أنه كيف تمكن شخص واحد، مسلح بمسدس ولا خبرة سابقة لديه من قتل ثلاثة جنود وجرح رابع، قبل أن يستشهد. وبحسب صحيفة «هآرتس» إن نتائج العملية «ليست مأسوية فحسب، بل أيضاً لا تطاق». مع ذلك، تجد الإشارة إلى أنه ليس صدفة أن تكون هوية القتلى من الجنود الإسرائيليين، من العرب والإثيوبيين، وسبق أن تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن تل أبيب تتعمد نشر جنود عرب وإثيوبيين في مناطق الاحتكاك مع الفلسطينيين، التي قد يتعرضون فيها للقتل أو الجرح.
ولعل من أهم الرسائل التي تنطوي عليها هذه العملية التي تتصل بالظرف السياسي الحالي، أنها تأتي رداً على الدعوات السعودية لإنهاء الصراع مع إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، والانتقال إلى مرحلة العلاقات والتحالف العلني مع كيان الاحتلال، من دون تلبية متطلبات الحد الأدنى لحل القضية الفلسطينية حتى بمعايير خيار التسوية السياسية الذي حرم الفلسطينيين 80% من أراضيهم.
في هذه الأجواء، يصبح مفهوماً التحذير الذي أطلقه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، حول ما إن كانت هذه العملية بداية نمط جديد من العمليات. المؤكد أن مصدر هذا الموقف هو الأجهزة الأمنية التي قد تكون قدمت تقديراتها للمستوى السياسي وأعربت فيه عن مخاوفها. ويستند هذا القلق – من ضمن مجموعة معطيات وتقديرات – إلى تاريخ طويل من التجارب مع الشعب الفلسطيني الذي أثبت قدرته على إبداع أساليب نضالية تتلاءم مع الوقائع التي يفرضها الاحتلال وحلفاؤه في البيئتين الفلسطينية والعربية. وتشكل الانتفاضة الاخيرة التي انطلقت في عام 2015، أحد أهم المصاديق التي تؤكد هذا المفهوم. وما يعزز هذا القلق في الوسطين الأمني والسياسي الإسرائيليين، أن الاستخبارات العسكرية ما زالت تتبنى انذاراً استراتيجياً حول إمكانية حصول انفجارات محتملة في المناطق الفلسطينية المحتلة. وازدادت صدقية هذه الإنذارات في أعقاب المواجهات التي شهدها الشارع الفلسطيني نتيجة تركيب البوابات المغناطيسية في الحرم القدسي الشريف.
مع ذلك، ينبغي القول إن هذا المنسوب من العمليات لا يتلاءم مع حجم التحدي الذي ينتظر الشعب الفلسطيني. وثبت بالتجربة أنه مع هذا المنسوب من العمليات، على أهميته ورسائله التي تدعو إلى التفاؤل، إلا أنّ الاحتلال يستطيع حتى الآن التعايش معه. ولا يحول دون تنفيذ المخطط الذي يجري العمل عليه والذي يهدف إلى إخضاع الشعب الفلسطيني، في ما يعرف بـ«صفقة القرن»، أو الصفقة الإقليمية التي تهدف إلى الالتفاف على القضية الفلسطينية، ونسج تحالف إسرائيلي سعودي – اقليمي، يلغي من القاموس العربي مفردة الاحتلال الإسرائيلي.
في المقابل، تجسّد هذه العملية إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني وحقيقة أن كل المحاولات والإجراءات القمعية والتضليلية لن تنجح في ثنيه عن مواصلة درب المقاومة، ولن تتمكن من زرع اليأس في قلوب أبنائه، خاصة أن مسار التطورات يؤكد مرة تلوى أخرى حقيقة أن المقاومة هي الخيار الوحيد المجدي في مواجهة الاحتلال. وهكذا يدرك العدو والجهات التي تعمل على توسيع نطاق التطبيع معه، أن الكلمة الفاصلة تبقى للفلسطينيين، القادرين على قلب الطاولة، وإعادة فرض الاحتلال وممارساته على جدول الاهتمام العربي والدولي.
في كل الأحوال، التحدي الذي فرضته العملية البطولية، وما قبلها وما سيعقبها، أعاد طرح الأسئلة أمام المستوى الأمني الإسرائيلي عن الخيارات المضادة بهدف تقليص الهجمات، وما إن كان ينبغي أن تشمل هذه الخطوات استخدام العقوبة الجماعية ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية؟ ويتبنى جيش الاحتلال تقديراً مفاده أن العقوبة الجماعية ستزيد من دوافع الشعب الفلسطيني للقيام بهجمات ضده، وبالنتيجة لن تكون هناك جدوى من وقف منح تصاريح العمل. ويعتقد الجيش أن استمرار تشغيل الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات في الضفة المحتلة، سيُسهم في إبعاد العوائل التي تستفيد من العمل داخل إسرائيل، عن التعاطف والمشاركة في العمليات. لكن وزير الأمن الحالي، أفيغدور ليبرمان، يشكك في جدوى هذا المفهوم. ومع ذلك، فقد وافق على موقف الجيش حتى لا يتحمل مسؤولية أي تدهور قد ينتج من ذلك.
بين خياري العقوبات الجماعية، والامتناع عن المبادرة إلى خيار عقوبات من هذا النوع، أعلن نتنياهو ثلاث خطوات: هدم بيت منفذ العملية، محاصرة قريته، ومصادرة أذونات العمل من أفراد عائلته الواسعة. ومع أن الحكومة الحالية قد لا تلغي أذونات العمل بشكل عام، لكن من المرجح أن تتشدد في إجراءات الفحص الأمني التي يتولى مسؤوليتها «الشاباك».