امرأة خمسينيّة تحتضن مجسّماً كرتونيّاً لابنها الشهيد. مشهدٌ لا يمكن أن تبتكره إلّا حرب ظالمة. تنتابك الرغبة أمام وجع المشهد في أن تمتدّ يدا المجسّم لتربّت على كتفي الأمّ المسربلتين بالسواد، لكنّ كفا كنعان (اسم الأم)، تتجاهل عينيك الدامعتين، لتخبرك عن الكاميرا التي لطالما لاحقت بها ولدها البكر. عشرات الصور خلّدت الدهشات الأولى: الضحكة الأولى، والكلمة الأولى، والخطوة الأولى. يومه الأوّل في المدرسة، تخرّجه في الجامعة، ومن ثمّ صوره بالبزة العسكرية التي اختارت أجملها لتذيّلها باسم الشهيد مجد مرزوق. «لما انطلب ع العسكرية خفت عليه كتير، بس هو ما رضي يأجّل. قلّي: ماني أحسن من يلي عم يقاتلو»، تقول أم مجد.


وتضيف: «ولما تحاصر مع رفاقو، بكلية المشاة بحلب، كان يتصل ويقلي لا تقلقي، الأمور تحت السيطرة. وكنت أستغرب لمّا تقول الناس إنو الوضع بالكلية سيّئ. لكن آخر مرة حاكاني كان صوتو ما فيه قوة. كان رايد يوصلّي رسالة إنو الأمور يمكن تسوء. ولمّا سألتو إذا جوعان؟ قالي: لا، أكلت رز. كنت بعرف إنهم ما كان عندهم أكل، بس كان عم يكابر مشان ما انقهر». في غيابه تغدو صوره الأخيرة موجعة، حيث يحضر مجد كمجسّم كرتوني، تحيط به العائلة والأصدقاء. وذلك منذ زفاف شقيقته، حين فاجأ صهره الحاضرين بوصوله إلى الزفاف مصطحباً معه مجسّماً للشهيد «لتكتمل العائلة». «الكل توقّعوا إني انهار بهديك اللحظة.

لو صار عمري 40
سنة فيني ارجع ادرس، لكن اليوم لازم حارب
بس أنا رجعتلي البسمة، وعشت الفرحة الكاملة بوجودو. ومن يومها المجسم برافقني بالمناسبات والاحتفالات»، تقول كنعان وهي تتلمّس قلادةً على صدرها تحمل صورة الشهيد.
لم تتسلم الأمّ جثمان ولدها الذي دفن حيث استشهد في كليّة المشاة، ورفضت تقبّل العزاء، وما برحت تردّد لشبّان الحيّ الذين اجتمعوا لنصب خيمة العزاء، إنّها خيمة لعرس مجد.

عرس 7 أيام

«قلت للكل، أنا ماعندي عزا. ابني ما مات، ابني ارتقى. يلي جايي يبارك أهلاً وسهلاً فيه، يلي جايي يعزّي لا يجي. وعملت عرس لمجد 7 أيام، وزفيتو بالأغاني الوطنية وقصائد الشعر»، تقول كفا، التي لم تنزو مع ذكرياتها، منذ استشهاد ابنها قبل سنتين، بل باتت معروفة في مدينة اللاذقية بوصفها أم الشهيد، الملهمة للكثيرين. تشارك في الفعاليات الوطنية وتزور أسر الشهداء والجرحى. علاوة على «إلهام الكتابة» الذي جاءها فجأة، وتحاول من خلاله تخليد ذكرى الجنود السوريين، بكتابة قصص بطولاتهم في الميدان. «كل يوم عندي زيارة لأسرة شهيد أو جريح. بسمع قصصهم وبطولاتهم، وبكتبها. القدرة على الكتابة ظهرت عندي بعد استشهاد ابني، إلهام من رب العالمين. استشهاد ابني عطاني القوة، وخلاني ما شوف حدا أحسن مني، غيرالأم يلي عندها شهيدين».

جثمان ابنها بين أزهار حديقتها

في قرى الأسد، في ريف دمشق، تجلس جانسيت قازان، أمام ركوة قهوة وفنجان واحد. تبدو ساهمةً في الفناجين المفتقدة. فنجان زوجها، اللواء المتقاعد الذي رفض البقاء في البيت بعد اندلاع الحرب، وتطوّع في صفوف المقاتلين في حماة، وانتقل أخيراً إلى القنيطرة. وابنها البكر، خالد، قائد الدفاع الوطني في القنيطرة. وأصلان، ابنها الأصغر الذي توفي قبل الحرب. والشهيد أنزور الذي يرقد جثمانه في قبر مجاور لكرسيها. تخرج جانسيت من شرودها، وتبدأ ريّ أزهار الأقحوان التي تغطي القبر، وترفرف فوقها أعلام ورقية صغيرة، مغروسة بأعواد خشبية، تجاورها أعواد تعلوها قلوب حمراء، تعود لعيد الحب الماضي. «ابني أنزور أباظة، كان يدرس بالأردن ليصير طيار مدني. بس بعد ما بلشت الحرب، قلّي هاد ما وقت الدراسة، لو صار عمري 40 سنة فيني ارجع ادرس، لكن اليوم لازم حارب. وتطوع بالمقاومة الشعبية، وقاتل في ريف دمشق وحمص وحماة وريفها، واستشهد من سنتين بكمين بريف دمشق».
جانسيت ابنة الجولان التي خبرت في العاشرة من عمرها مرارة النزوح، إبّان هجوم الصهاينة على مدينتها القنيطرة، ثمّ مرارة الأم الثكلى بفقدانها ولدين، اختارت أن تحوّل وجعها إلى حياة تزرعها في صدور المحزونين: «بشرب قهوتي مع أنزور كل يوم الصبح، ولمّا يبدا الشوق ينخر بقلبي، بقوم بقرا الفاتحة. وبروح ع رحلتي اليومية، يلي نذرت حياتي إلها، حتى كمّل رسالة ابني الشهيد». عائلات الشهداء والجرحى والمهجرين هم موضع اهتمام جانسيت، من خلال ترؤسها «مجموعة سيدات سورية الخير» التي تضمّ أمهات وأخوات وبنات جنود سوريين، ومهمتها رعاية عائلات الشهداء، إضافة إلى تأمين مشاريع صغيرة، يمكن إطلاقها من البيت، لجرحى الجيش الذين تتجاوز إصاباتهم 70%. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المهجّرات بتعليمهن حرفاً يدوية، وبيعها في بازارات. وتشرح جانسيت عن مشروعها «مؤسّسة أم الشهيد» الذي سينطلق قريباً، ويتوجّه إلى أمّهات شهداء يعانين حالات نفسية حرجة، بعد فقدانهن أبناءهن، فتقول: «90% من أمهات الشهداء السوريين لبوات وأشجار سنديان، لكن بحالات استثنائية تعجز الأم عن تقبّل خسارتها لابنها. مهمّة المؤسسة متابعة الأمهات، والتواصل معهن لإخراجهن من دائرة الانزواء والحزن». جانسيت التي فاجأت مَن حولها بالقول إنها تسامح من قتل ابنها، ترجع قدرتها على المغفرة لكونها أم: «أنا بسامح ابن بلدي يلي قتل ابني، لكن ما بسامح الأجنبي أو العربي الجايي يقتلنا. أنا أم، وهدول أولادي. ابني ممكن يطلع عاق لكن بضل ابني. وواجبي كأم خليه بحضني، لأن إذا رميتو لبرّه بيتلقفو الغريب، وأنا ما بسمح لحدا ياخد ابني مني».

ثلاثة أبناء خطفتهم الحرب... والأم تطبخ لرفاقهم

أمام طاولة تعلوها أطباق مليئة بالملفوف المسلوق وحشوة الأرز واللحم، تتوسط وجيهة فندي عدّة نساء يلففن الملفوف، ويتبادلن أخبار الميدان. في بيت صغير، في قرية سلحب في ريف حماة، تقطع أحاديث النسوة، بين الفينة والأخرى، دعوات للمقاتلين هناك الذين باتوا بمثابة أبناء لأولئك النسوة، فجميعهنّ أمّهات لجنود سوريين، وشهداء قضوا في الحرب. ويومٌ تلو الآخر، تحصل أم جنديّ على لقب «أم الشهيد»، لكنّ حدادها لا يدوم أكثر من أسبوع، لتعود بملابسها السوداء، فتنضم إلى شريكات الوجع، لمتابعة مهمتهنّ المقدّسة، الطبخ لعناصر الجيش.
ثلاث سنوات مضت، وأمّ رامي، وجيهة، تطبخ يومياً في مطبخ أمهات الجنود. ولها بين الأمهات مكانة خاصة، فوجودها يمنحهن القوة، وبخاصة أمهات الشهداء الجدد اللواتي يخجلن من دموعهن حين يرين صلابتها. هي الأم لثلاثة شهداء، والتي لم تسمح لألم الفراق بأن يهزم أمومتها، ففاضت بها على الجنود الذين تعتبرهم أبناءها وعزاء روحها. «ابني الكبير، رامي رجوح، كان متطوع بالدفاع الوطني، وكان عمرو 33 سنة لما استشهد في طيبة الإمام، من 3 سنين. بعد سنة استشهد محمد، آخر العنقود، كان عسكري بدير الزور، ما كمّل 23 سنة. لغّموا البناية يلي كان فيها مع رفاقو، وبراس السنة الماضية استشهد علي، على حاجز حوض العاصي بسلحب، وكان عمرو 30». تقول أمّ الشهداء، وقد غصّ صوتها بالدمع المكتوم. ثمّ تتابع: «عم قول أعمارهم لأن كل سنة من عمرهم أخدت من عمري وجسمي وروحي. بس ولادي كانوا أصحاب نخوة وشهامة، وما هانت عليهم بلادهم، ورفعوا راسي».
أم رامي، بعد استشهاد أولادها الثلاثة، كرّست نفسها لخدمة الجيش، وباتت أمّاً لمئات الجنود الذين يصلهم، يومياً، طعامها الساخن المعجون بالدعاء. مهمّة مقدسة أعانتها على تحمّل مرارة الفقدان. «بطبخ للجنود الأكلات يلي كانوا أولادي يحبوها. وبتخيّلهم عم يقولولي تسلم إيدك يا أمي، متل ما كانوا ولادي يقولولي. أحياناً بغص، بفكر لو كانوا عايشين كانوا فرحوا بهالأكلة. بس برجع بذكر كلامهم، إنو هاد واجبنا يا أمي، الدول كلها صارت علينا، وإذا تخاذلنا بضيع الوطن يا أمي».