فارس ك.

ماذا يشبه غسان؟ كان هذا السؤال الذي كتبه محمود درويش على مخطوطة غير منشورة لنصٍ لم يرَ النور أبداً. كانت العلاقة دائماً ملتبسة بين الرجلين، غسان الأكثر ثورية مباشرةً وسخرية، مقابل درويش الأقل مواجهة والأقرب إلى الهدوء والتأمل. رحل غسان، ورحل محمود، وبينهما رحل ناجي العلي. وحده ناجي كان أكثر شبهاً بغسان. كان الثلاثة معاً يشكلان مثلثاً فلسطينياً خاصاً لم يأتِ مثله البتة، لكن الشبه بين غسان وناجي تقريباً في الكثير، حتى في المصائر غير المحتملة، كان ناجي أيضاً قد رحل بغير طريقة متوحشة: رصاصةٌ في الرأس.

ماذا كانوا ينتظرون؟ هل كانوا يتوقعون أن يتركهم كل من "شتموهم" يوماً أحياء؟ يوماً ما قال محمود بأنّه لم يعد يستطيع الحياة هارباً من كل شيء، هو يشعر بأن "بنادق العالم بأسره" تلاحقه كيفما حل، كانت كلماته "المخيالية": "كلما آخيت عاصمةً رمتني بالحقيبة"، مصداقاً لحالة الشاعر الذي يريده العالم ميتاً، كي يرقص كثيرون في جنازته.
غسان؟ لم يكن غسانُ كذلك نهائياً. كان غسان ببساطة يعرف ماذا يريد تماماً، وكيفية الوصول إليه، وفوق كل هذا الثمن الذي سيدفعه لقاء ذلك. قبل أيامٍ من استشهاده أخبره كثيرون بأن غولدا مائير رئيسة وزراء العدو الصهيوني قد "وضعته في رأسها"، كانت التقارير الأمنية التي أوردها كثيرٌ من رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تشير إلى أنَّ عملية تحوم في الأفق لاغتيال "رموزٍ" فلسطينية من جميع المشارب والاتجاهات رداً على عملية "ميونخ" التي قامت بها منظمة أيلول الأسود. غسان، كعادته، لم يُعر الأمر كثيراً من اهتمام، أكمل عمله ببساطة، أخذ أمبولات السكري المعتادة، وأكمل يومه العملي "الضاغط" كما لو أن شيئاً لم يكن. كيف يمكن لرجل لا وقت لديه أن يحك رأسه – فجأة - أن يتوقف عن هذا؟ كيف؟ غادة السمّان اقتحمت مكتبه يوماً ما، جرّته ركضاً ليخرج معها (ومع بسام أبو شريف) في سيارته القديمة المتهالكة، جلست إلى جانبه، وضعت قدمها على قدمه التي تدوس على "زناد" البنزين في السيارة، دافعة السيارة بسرعة جنونية، معتقدة أنه سيخاف، سيغير وجهة حركة السيارة، سيجفل أو يجزع. غسان كان قد خبر غادة جيداً، لكن كان قد خبر الموت أكثر، والخوف أكثر وأكثر. لم يجزع، لم ينزع قدمها عن قدمه، بل تركها تحرك السيارة نحو موتٍ محتمل. ساعتها نزعت قدمها وهي تنظر إليه. كانت لا تخاف هي الأخرى، لكن تلك قصة أخرى، كان غسان: لا يشبه إلا نفسه فحسب؛ هي كانت تدرك ذلك تماماً، وكتبته في رسائلها له حينما خاطبته: "يا أيها الذي لا تشبه إلا نفسك".
كان "فارس فارس" (الاسم الذي استخدمه غسان للكتابة النقدية) أو "أبو فايز" (الاسم الذي كتب به بعض مقالاته) يدرك وللغرابة أنّه مستعجلٌ للرحيل، لذلك كان لا يضيع وقتاً أبداً، كان يقرأ كثيراً، يكتب كثيراً، ويدخن أكثر من هذا وذاك. كان يجعل وقته مطيةً له، حتى مرضه كان يتعامل معه على أساس أنه هو مالكٌ للمرض، لا ضحيةً له. كان علاج السكري أمراً متعباً منهكاً، حتى أنه كان يحتاج لأن ينام بعد كل وجبة أكل تقريباً (بفعل تأثير الإبر الذي يسبب له خدراً شديداً). كان يراعي مواقيت النوم تلك، فلا يتخطى الساعتين، حتى في أقصى حالات تعبه. هل كان يعلم بأنه يحتاج وقت العالم كله كي يرسم قضية بكاملها؟ ويحميها؟ ويبقيها لأجيال بعده؟ ناجي العلي كان يبتاهى بأنه يرسم حتى في حمام منزله، كان يسخر من الجميع، مشيراً إلى أنّه لا أحد يعمل أكثر مني، سوى غسان كنفاني؛ و"مين بيقدر يكون غسان أصلاً؟". لا أحد يمتلك الإجابة عن سبب عمل غسان المستمر بهذه الطريقة، ولا أحد أيضاً يعلم لماذا كان غسّان دقيقاً في مواعيده أحياناً، مضيعاً أحياناً. كل ما كانوا يعرفونه أنه كان يفاجئ الجميع كل مرة يكتب فيها شيئاً جديداً. أكثر من هذا وذاك: كان غسان أكثر من شخصٍ معاً، فارس كان يكتب بطريقة تختلف عن أبو فايز، وكلاهما كانا يختلفان عن غسان حينما يكتب. وإن كان كل هذا ليس بكافٍ، هو كان شخصاً آخر تماماً حينما كتب الأبحاث والدراسات.
ماذا عن الحب؟ هل كان أحدٌ مثله؟ سيعتقد كثيرون هنا أننا هنا سنكتب المعلقات في وصف "حب غسان" لكن الأمر ليس كذلك أبداً، ولن نفعل، فقط سنقول بأنه يكفي أن تقرأ أياً من روايات غسان كي تشعر بمقدار الحب الذي يرسمه، هل تكفي "ثلاث أوراق من غزة" كي ترسم الحكاية؟ لا تكفي ربما، هل تكفي أم سعد مثلاً؟ أحب غسان كل شيء في فلسطين، الناس، الشجر، الحجر، هذا الأمر ذاته ما لم يستطعه كثيرٌ من فلسطينيي الصف الأول (أو الثاني أو الثالث حتى).
كان غسان مختلفاً عن كل شيء، لا يشبه أحداً... إلّاه.