قبل عام في مثل هذه الأيام، كانت الطائرات تلقي ما تيسر لها من الموت على غزة، وبينما تقتل الأهل هناك فرادى وجماعات، كانت إسرائيل تقتل فلسطين لدى البقية عبر ثلاث حروب شنت بسنوات قليلة، بأن تجعل فلسطين هي غزة وما تمنّ علينا من الجغرافيا والتاريخ... شهيد تلو الشهيد، وشاشات التلفزة تنقل الخبر من الميدان والمشافي، وسيارات الإسعاف تطاولها القنبلة كما منصة الصواريخ، وفي الضفة الغربية، ثمة بشر وبضعة فلسطينيين تظاهروا، وكم من المستوطنين خافوا الصواريخ القادمة من غزة، والمقدسيون ناموا ليالي ينتظرون فيها صواريخ الفلسطينيين، واليهود في القدس باتوا في الملاجئ، ينتظرون الملاجئ...


وفي تل أبيب، انتظر الناس هناك موعداً حدده رجل من المقاومة، أكتب عنه الآن ولا أعرفه، ويبدو أنه لن يُعرف، وذلك لتبقى القداسة تحيطه، ولكي يدوم الشك، أنه ربما ليس من بني بشر، مثله مثل هؤلاء الذين قاتلوا في غزة، وخطفوا الجند، وغاصوا في البحر وصولاً إلى معسكر أو مستعمرة..
كم هو قاس ذلك المشهد، طفل يرفع من بين الركام، والكاميرا ما زالت تلتزم مهمتها وتصور، ويتأمل الواقف خلفها أن تتحرك يد صغيرة يراها من العدسة، أن يجفل الطفل، أن يعطس، أو يصرخ... نعم يصرخ حتى تهتز الأرض، وتقع السماء، ويتشنج البحر فيختفي ويختفي العالم...
الطفل لم يتحرك، والكاميرا تصور... الطفل مستشهد، لكن شقيقه حي، وعائلة جيرانه التي استشهد ابنها في الحرب الفائتة، استشهد ابنها الثاني في هذه الحرب، والعدسة لم تستطع تصوير الشهداء الثلاثة كيف مضوا نحو البعيد، بعيداً عن رائحة النتانة العربية...
في الحرب الفائتة، أكثر من خمسين يوماً من الموت، وانقضاضه على غزة، ولا إله كان هناك ليوقف المذبحة، لم يكن هناك سوى الواقع، والسنابل الحمراء...
كان لإسرائيل حلم قديم بأن تسفك ما تيسر لها من الفلسطينيين، كي تستريح من وجع استقلالها وبناء دولتها فوق عظام قرانا؛ حلمها هناك في القطاع تحقق، بعدما تخلت باقي فلسطين عنها، ولم يعد يمسك يد غزة سوى يد "صبرا وشاتيلا" و"تل الزعتر" وباقي المجازر...
في القديم، كان هناك من يكتب شعراً يصف فيه بشاعة المجزرة، ليخفف حملها الشعري، وينعى بعض الشهداء بالكلام المباح، وغيره من السرد الحداثوي لخلق رابط أسطوري مع الدم الفلسطيني؛ في القديم كان كل هذا الهذر الكلامي، واليوم أكثر من ألفي شهيد، لهم أن يقولوا لنا ما الحكاية... وما هذا الوجع الذي يجتاحنا حتى الصميم، ويسكننا في أقصى مجال للصرخة، ولا نصرخ...
سيعودنا الشهداء كلهم في نومنا ليخبرونا؛ لأي غرض في ذكرى المذبحة، نصبنا بعض الخيام فوق الدمار، ووضعنا المنابر، وصعدنا لنقول عنهم، ونذكر باسمهم وباسم صاحب البيت وأولاده الذين نقف فوق ركامه، نذكر بالنصر المؤزر...


■ ■ ■


لم تتضح في غزة معالم هزيمة أو نصر، ولكن يطيب لنا نحن الفلسطينيين أن نعلن النصر حتى ولو من فوق الركام، ومن بين جثث الشهداء والجثامين الكثيرة... لكننا لم نهزم لأن القادة ذهبوا إلى مصر للتفاوض غير المباشر عبر الغرف والوسطاء، ومندوب من السلطة حضر، ولأجل نتيجة "أجبر" الاحتلال عليها، عُلقت الحرب، وتوقف الجند عن دك المدافع للقصف... وفي النتيجة، رفع للحصار، وميناء، تطل من خلاله غزة على حياة؛ مرّ عام وغزة ما زالت غزة، الموت الحاضر والمؤجل...