المخيم، ذلك المكان البغيض الذي أقنعت طفولتي أنني أستطيع أن ألملم الكون فيه، من البستان الذي كنّا نتطاول عليه في النهار فقط، ونرتجف رعباً من صوت احتكاك الغصن بالغصن آخر الليل، من حبة الليمون التي سرقناها تحدياً لـ"أبو الدينين" و"أبو كيس"، إلى شجرة التين التي تخيلتها مركبة فضائية أغادر فيها الأرض، وأحلم، أنني لن أغادر إلا نجمة سينمائية، أو صاحبة نفوذ كبير.

نغادر المخيم، ننقم عليه، ثم نتحايل أمام ابن الضيعة وابنة المدينة أنه لو عاد بنا الزمن فسوف نختار أن نكبر فيه.

كم هي ذاكرتنا مشوهة، تماماً كصفحة سماء المخيم من خلال أسلاك الكهرباء المتشابكة التي تعوّدنا أن نراها كلما أردنا أن ننظر إلى الأعلى، كم نحن بؤساء حين يدرك أحدنا الموت، وندرك معه أنه حتى الموت، يأخذ أشكالاً أكثر مأساوية في المخيم!
رمضان لم يعد يشبه نفسه في السنوات الست التي مضت. غياب مالك، جعل مِمَن يسكن مخيم القاسمية يعرف، أن هذه البقعة الجغرافية لا يمكن أن تمت للعالم من حولها بأي صلة. من هو مالك؟ مالك ذلك الصبي المشاغب، لطالما كانت ردود الفعل لديه عكس الجميع. ففي حين كان الشبان يغادرون المخيم هرباً من الواقع الفظيع، جاء هو من خارج المخيم ليعيش ذلك الواقع. نفض الغبار عن أثاث منزل العائلة بعد إغلاقه لسنوات بسبب هجرتهم إلى الخارج، سكن البيت العتيق، تزوّج، أنجب، أسس أسرة، عاد "ابن مخيم".
رفض مالك كل الإغراءات التي حثّته على السفر مجدداً، لم يكن يرغب في أن يترك "سته" الخيتارة تكبر في وحدتها، عمل مع عمه في مجال تصليح الأعطال الكهربائية، فأصبح بالنسبة له بمثابة الابن. كان حنوناً، يحبه ويحترمه الجميع، لم يكن يرفض طلباً لأحد، حتى جاءت "النعم" الأخيرة لتنهي حياته. كان ذلك منذ ست سنوات، في شهر رمضان، عندما انقطعت الكهرباء بعد الإفطار، ليتبين أن العطل في صندوق التشغيل على رأس العمود الموجود إلى جانب بيت مالك.
لم يتردد ابن خالي في تسلق العمود ليعيد تشغيل الكهرباء، لتنير البيوت وتشغل تلفازات الحي على "باب الحارة"، ولكنه، سقط عن العمود بسبب صعقة كهربائية. لا تستعجلوا في الحكم، فالصعقة لم تقتل مالك، بل السقوط عن العمود، والانتظار لأكثر من أربعين دقيقة لدخول المستشفى. هذا هو المخيم، وهذا رمضانه وأجواؤه.
مالك عاد من الغربة ليموت "ابن مخيم" كما يموت كثيرون مثله، الموت من "القلّة". لا مستشفى قريباً ولا سيارة إسعاف تدخل الزواريب لتنقل مصاباً أو مريضاً. لم يكن عمر مالك يتجاوز الرابعة والعشرين حين فقده المخيم، فكيف يبقى رمضان على حاله بعد فقدانه؟ كيف لا تتحطم الأحلام على حجر سقط مالك عليه، وأودى بحياته؟
يا شجرة التين، إن غادرتِ مركبة فضائية إلى السماء، سلمي لي على مالك.