بالزمانات كانوا يحكولنا عن صهاينة الداخل، ويقولولنا إنه صهاينة الداخل هدول أسوأ بكتير من الصهاينة اللي محتلين فلسطين. وقتها كنا صغار وما كنا نعرف شو المقصود بالخبرية. كبرنا وصرنا نعرف، ويا ريت ما عرفنا، ما هو مرات انت بتقول لحالك: يا زلمة ليش كبرت؟ ليش صارت الخبريات هلقد وقحة، وهلقد الناس صاروا وسخين؟ نفس المرات هيدول بتتمنى ترجع صغير، تشوف الدنيا عيد وتسلية وفرح، ورمضان تجوع وتتمنى تشرب مي، بس ما فيك عشان إنت وعدت امك انك تصوم، وما بدك رفقاتك يضحكوا عليك إذا شافوك أفطرت ويغنولك غنية "يا فاطر رمضان يا مقلل دينك، الجاجة الحمرا توكل مصارينك" (بس ليش جاجة حمرا صدقوني لهلق ما عرفت).


شو بدنا بهادا كله، هادا كله أصلاً مش موضوعنا اليوم، أنا قلت بدي أحكي عن مسلسل "حارة اليهود" اللي بيعرضوه برمضان؛ بس يمكن حدا يفكر إنه قاهرني إنه بيحكي عن اليهود، لا والله، بالعكس يحكوا عن اللي بدهم يحكوه، لا أول ولا آخر مرة، لا بيخلص اليوم، ولا رح يخلص بكرا.
أنا اللي قاهرني هو هادا الحب الهائل لليهود، بتحس إنه ما في مواضيع أبداً نحكي عنها، ولا حكاية ولا خبرية ولا قصة بكل الوطن العربي، من المحيط الهادر للخليج الثائر؛ ولا شيء: لا داعش ولا ماعش ولا شي من أي نوع، الدنيا ربيع والجو بديع، فعن شو بدنا نحكي يا مدحت (د. مدحت العدل كاتب المسلسل)، يلا نحكي عن اليهود يا محمد (محمد العدل أخوه للكاتب ومنتج المسلسل)، وانت يا سامي رح تمثل بالمسلسل، آه واللهي؟(هادا سامي أخوهن اللي بيطلع بكل مسلسلاتهن). وهيك صارت الخبرية. فجأة قرروا الإخوة العدل (اللي بيختلفوا أكيد عن الإخوة كارامازوف تبعون ديستويفسكي، بيشبهوا الإخوة الملا تبعون باب الحارة) إنهم يعملوا خبرية مسلسل عن اليهود. طبعاً أهم شي "نختار بنت مزة عشان تجيب جمهور" (هادا محمد المنتج)، "وواد مز كمان عشان الستات"(هادا سامي، بس ما بعرف ليش سأل عن الواد المز، عنجد ما بعرف)، "أنا هكتب أد ايه اليهود كانوا طيبين وكويسين ومظلومين، عشان كدا تركوا مصر اللي كانت بتجلدهم كل يوم وبتضربهم في الشوارع وراحوا على فلسطين اللي ما كانش فيها غير بدو متخلفين، احتلوها وعمروها وعملوها جنة، ايه رأيكو في الحوار دا"(هادا مدحت كاتب المسلسل). وهيك يا معلم رسيوا الإخوة الأعداء على المسلسل.
هلق هون أيا حدا "فِتح" وعقله كبير بيسأل طيب ليش ما عملنا مثلاً مسلسل عن "رفح" الفلسطينية ورفح المصرية مثلاً والعلاقات بيناتهم وكيف التجارة وكيف وكيف وكيف. بس في حدا عنجد بده يحضر عن الفلسطينية شي؟؟ العمى! معقول راسي أنا؟؟ في حدا إله خلق يحضر عن الفلسطينية أيا شي؟ الفلسطينية خبرية قديمة "ديموديه" خشبية خلصت مدتها ونوعها. عشان هيك حتى ولو بدنا، حتى ولو حبينا ما بنلاقي حدا بده يحضر شي عن فلسطين والفلسطينية. لكان خلص بنحكي عن اليهود، حلوين اليهود، طيب شو مالهن؟ والله شو مالهن؟
بس كل هادا مش اللي قاهرني بعد، طالما عم نفضفض: فجأة وانت عم تشرب العصير، بعد يوم رمضاني طويل (وطويل وطويل) بيقلب شي حدا وبيحط على المسلسل بمحل العصير(اللي عم تتزهرم فيه) وبيبلش هالشعب يحضر، فانت بتقوله لصاحب المحل "أبو رشدي شيللي هالزفت بحياة ربك"، بيطلعلك حدا من هالمتفلسفين الدكاترة: ليش هيك بتحبكوها يا أستاذ؟ قصة الفيلم (مش المسلسل، ما هو كله عند العرب صابون) كيسة (يعني كويسة) وما عم يكذبوا علينا، مش اليهود كانوا ببلادنا، وكانوا عايشين بتبات ونبات، وكنا حلوين وكانوا حلوين، شو ماله المسلسل؟ هون بتصير تكره العصير لإنه بتصير طعمته ماسخة بتمك. أول شي بتقول خلص ما بدي أرد عليه، خلص بدي أعيش حياتي وبلا هالعجايب. بس بعدين بتقرر تجاوب؛ ترد: أخوي، معلمي، يا ريس: أول شي يمكن كانوا عايشين بتبات ونبات، ما بعرف، بس اللي بعرفه النتيجة اللي احنا فيها اليوم. يعني إذا افترضنا إنك عملت جريمة قتل –حضرتك- القاضي ما رح يسأل إذا ابوك كان زلمة طيب وكويس، رح يشوف النتيجة اللي حضرتك قمت فيها. هاي أولاً، تاني شي أهل الحدا اللي انت قتلته ما رح يفرق معاهن كتير إذا كانت امك ملكة جمال الكون، أو أبوك بطل العالم بالسكواش (أو بالركبي). كل هاي التفاصيل والمعلومات إنه كانوا قبل، وكانوا مناح، وكانوا طيوبين وأمورين ما بتنشرى عندي بنص فرنك (فرنسي، آه من هادا اللي طلع من الخدمة من زمان). ليش؟ عشان اللي بينبنى على باطل هو باطل. يعني بتيجي تحتل أرضي، وبتقتل ناسي، وبتدمر كل شيء بحبه، وبتعيشي عيشة ".." ببلاد أهلها مش طايقين حالهم ولا طايقيني وبتقول آخر شي "أجدادي وأجدادك" كانوا صحاب. الله ينعنك وينعن أجدادك، أصلاً هالخلفة العاطلة أكيد بدها تيجي من مكان، وأكيد أكيد أكيد: أجدادك نهائياً ما كانوا لا مناح، ولا أجدادي كانوا صحاب معهن، لإنه والله الصحاب ما بيعملوا هيك ببعض. طبعاً هادا المتفلسف اللي بتكون عم تحكيله الخبرية، بيكون إما نام وانت عم تحكيه، أو راح بالغيبوبة، بيسكت وبيتطلع فيك هيك كإنه اكتشف شيء فجأة: بس ما تقولي في فرق بين الصهيونية واليهودية!
بتبلع ريقك، وبتكب العصير، وبتطلع حواليك وبتنادي أبو رشدي صاحب محل العصير وبتسأله وانت روحك عم تطلع: وين العصاي اللي أعطيتك ياها مشان التفاهم الحضاري المعتاد؟ وين العصاي؟ أنا ما بدي أضربه للكابتن والله نهائياً. أنا بس بدي أفهمه غلطه، بس.