ثلاثة عشر شهراً على المجزرة الأكثر دمويةً بحق متدربين في صفوف الشرطة الاتحادية العراقية. أكثر من 1500 متدرب لقوا حتفهم على أيدي عناصر تنظيم «داعش»، في 12 حزيران من العام الماضي. قد تكون عبارة «التعطش للدم»، الأكثر دقةً لوصف المشهد، خصوصاً بعد تعمّد التنظيم استعادة «ذكرى نصر سبايكر»، بفيلم وثائقي من إنتاج «المكتب الإعلامي لولاية صلاح الدين»، وحمل عنوان: «واقتلوهم حيث ثقفتموهم».

مثلما جرت العادة في تطويع «الإعلام المرئي» وجعله منبراً لعرض الأهداف، تضمن التسجيل عدداً من الرسائل التي أراد التنظيم إرسالها إلى أكثر من جمهور. شكلياً، على مدى 23 دقيقة، سيطرت المشاهد الجديدة للمجزرة على العناصر المركبة لـ«الوثائقي».

«الواقعية» والبعد عن «الهوليودية» كما في الإصدارات السابقة، أعادت إلى التنظيم «صورة الوحش» الباحث عن «دماء» يروي بها عطشه. والعبارات المعتادة، كـ«إعادة الخلافة»، و«فتح روما والصلاة فيها»، و«جزاء الروافض»، هي مكررة من الأفلام السابقة للتنظيم، التي فاقت مئة إصدار، إضافةً إلى إذلال الجنود وشتمهم كوصفهم بـ«أقل من حيوانات»... كل ذلك كان في دقائق الفيلم الـ23.
وأظهر التسجيل في بدايته مشاهد لاشتباكات «داعش» مع قوات من الجيش العراقي، وإسقاط مروحية تابعة لسلاح جوّه، من دون أن يشير إلى مكان أو زمان ذلك. وأظهر أيضاً مقاطع جديدة لعمليات الإعدامات الميدانية لجنود الشرطة، وقتلهم ورميهم لاحقاً في نهر دجلة، وتحديداً في منطقة القصور الرئاسية في مدينة تكريت.
كذلك أعاد الفيلم إلى الذاكرة مشهد اختبار أحد عناصر «داعش» سائقي شاحنات سوريين، في كيفية إقامتهم الصلاة. فيطلب عنصر من التنظيم في التسجيل من أحد الجنود أن يؤدي الصلاة وفق طريقة أحد المذاهب، ولكن الأخير أخفق في ذلك، ما أوجب على «الداعشي» إقامة «الحد» عليه ورميه بالرصاص، مع تكبيرات وصرخات: «هذا جزاء الروافض».
وهدّد أحد عناصر «البغدادي»، «الروافض»، بالقول «إننا قادمون إليكم، ومنصورون عليكم، وهذا مصيركم»، في إشارة إلى مصير جنود القاعدة العسكرية.
ووفق الفيلم، فإن عمليات الإعدامات المختلفة حدثت في أكثر من موقع، وفي أكثر من توقيت (صباحاً، ظهراً، مساءً)، وقد أظهر أحد المشاهد عملية «جرف» الجثث، ودفنها ضمن قبور جماعية.
من جهة أخرى، ومع اقتراب بداية معركة الفلوجة واشتداد الحصار على المدينة، أرادَ «داعش» من الفيلم توجيه رسالتين تخدمانه في المعركة الجديدة: الرسالة الأولى هي للمهاجمين، لتذكيرهم بمصير رفاقهم، وأيضاً اللعب على الوتر «المذهبي» تجييشاً لنفوسهم وشدّاً لعصبهم، ما يعني صبغ المعركة بلون طائفي (الشيعة في مواجهة السنّة)، وجرّ الوسائل الإعلامية المتعاطفة والمؤيدة لقوات «الحشد الشعبي» والجيش إلى معركة مذهبية إعلامية من حيث لا يدرون. والرسالة الثانية، فهي إلى «السنّة» المؤيدين للتنظيم، لرفع معنوياتهم، وتجديد ثقتهم بـ«البغدادي» وجنوده، بصفتهم «الآخذين بثأر حقوق أهل السنّة المهدورة»، والتشديد على صوابية خيارهم بمبايعة «الدولة». كذلك أثمر الفيلم «افتراضياً»، على مواقع التواصل الاجتماعي، حالة من «النشوة العارمة» على غرار النشوات السابقة، بعد تفجير الكويت الأخير.
صبَّ «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» في إطار معركة «داعش» ضد «الشيعة» وكل من يخالفهم، إن كان مدنياً أو عسكرياً، فـ«أعداء» التنظيم ليسوا من فئة واحدة أو طائفة محددة. وقد أشارت المقاطع إلى ذلك في آخرها، خلال استعراض لـ«إحدى الغزاوت على مقر للصحوات (أعداء «داعش» من الطائفة السنية)».
إذن، يحاول التنظيم رفع معنويات عناصره باستمرار، وصبغ مواجهاته المختلفة بلون مذهبي، وتهديده بتكرار المجزرة متى سنحت الفرصة له، فيما خصوم «داعش» يطهّرون المدن العراقية، ويشنّون حرباً نيابة عن الجميع أمام إرهاب يهدّد المنطقة، والعالم. وما بين «القاتل» و«الضحية»، تذكير بما جرى، وتهيّؤ لما سيجري.