أدانت اللجنة الخاصة في التحقيق بشأن تصريحات الفساد الأخيرة في مصر، رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات»، المستشار هشام جنينة، بعدما قال الرجل إن المخاسر الناجمة من الفساد وصلت إلى 600 مليار جنيه، وهو الرقم الذي لم تردّ اللجنة عليه برقم آخر، فيما اكتفت بتفنيد بعض الوقائع التي قالت إنها جرت في عهد أنظمة سابقة.
وجنينة، هو آخر مسؤول مصري عينه الرئيس الإسلامي الأسبق محمد مرسي، وإحدى القيادات القضائية لـ«تيار الاستقلال» الذي عارض نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتوجد بينه وبين وزير العدل الحالي، المستشار أحمد الزند، خصومة تاريخية ودعاوى متبادلة.
في المقابل، ضمت اللجنة التي شكلها الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عضويتها رئيس «هيئة الرقابة الإدارية»، وهي إحدى الجهات التي يتهمها جنينة بالتقصير في ممارسة عملها، بالإضافة إلى عضوية نائبه هشام بدوي المقرب من الزند والمعين بقرار جمهوري مفاجئ قبل أسابيع قليلة، فضلاً عن ممثلي وزارتي العدل والداخلية، وهما أكثر وزارتين اتهمهما الرجل بالفساد وإخفاء حقيقة مصروفاتهما ورفض الرد على تقارير الجهاز باستمرار. كذلك كان قد قال إن العدل والداخلية كانتا تصرفان ملايين الجنيهات من دون توضيح طبيعتها والاكتفاء باعتبارها مصروفات خاصة في عدة قطاعات داخل الوزارتين.

أرسل السيسي تقرير اللجنة إلى رئيسي البرلمان والحكومة

أما وزارتا التخطيط والمالية، التي شارك مندوبون عنهما في عمل اللجنة، فإنهما من الجهات التي أدانها جنينة في تصريحات ووقائع محددة، أيضاً مرتبطة بزيادة الأنفاق في عدد من بنود الموازنة ورفض تقديم ما يفيد بها، علماً بأن تفسيرات من مقربين في دوائر السلطة تتحدث عن محاولة جنينة «ادعاء البطولة» تمهيداً لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة باعتباره رمزاً لمحاربة الفساد.
«لجنة تقصي الحقائق» قالت، في بيانها أمس، إنها تواصلت مع جنينة للاستفسار منه عن حقيقة الـ600 مليار، فأكد أن المبلغ صحيح وجاء وفق دراسة «أعدتها لجنة فنية شكلها من العاملين في الجهاز برئاسته وبالشراكة مع إحدى الجهات الأجنبية»، وهو ما رأت فيه اللجنة أمراً يضر بالمناخ السياسي والاقتصادي للدولة في الوقت الذي تسعي فيه بكل السبل إلى جذب الاستثمارات.
ووجهت اللجنة خمسة اتهامات إلى رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات»، هي: إساءة استخدام كلمة الفساد، وإساءة توظيف الأرقام والسياسات بما يظهر الإيجابيات بصورة سلبية، والإغفال المتعمد للمعلومات، وفقدان الصدقية والتضليل والتضخيم، مؤكدة أن جنينه كوّن وجمع الأرقام أكثر من مرة تحت مسميات عدة في أكثر من موضع، من بينها احتساب 174 مليار جنيه تمثل قيمة تعديات في مدينة السادات كأموال مهدرة على الدولة، برغم إثبات أجهزة الدولة إزالة التعديات بالكامل العام الماضي.
وانتقدت اللجنة وضع كلمة «فساد» في «مواضع أبعد ما تكون عمّا أقرته القوانين والمواثيق الوطنية والدولية والتعميم، والخلط بين الوقائع والإجراءات، وبين ما تم حسمه وما لم يتم حسمه، وبين ما هو عام وما هو خاص، الأمر الذي يصور كل الجهود المبذولة من الدولة كأنه لا فائدة من ورائها»، فيما أعلنت تلقيها مراسلات وشكاوى من داخل الجهاز لعاملين تتحدث عن سياسات ومقترحات تتعلق بغياب العدالة والشفافية.
كذلك قالت اللجنة إنها عرضت تقريرها على الرئيس، الذي أرسله بدوره إلى رئيس مجلس النواب، بالإضافة إلى تكليف «اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد» لرئيس الوزراء، شريف إسماعيل، مع تأكيد «أهمية المحاسبة ومسؤولية الكلمة وحق الشعب في المعرفة»، وهي العبارات التي اختتم بها بيان اللجنة كأنها طلب لإقالة هشام جنينة ومحاسبته.
وأصدر السيسي قبل ستة أشهر قراراً بقانون رقم 89 لسنة 2015 منح رئيس الجمهورية صلاحية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم في أربع حالات، منها: فقد الثقة والاعتبار، والإخلال بواجبات وظيفته، بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا، وإذا قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، وهو القانون الذي نفت الرئاسة أن يكون إصداره مستهدفاً إقالة جنينة الذي تبقى له أقل من تسعة أشهر على انتهاء مدته المقررة بأربع سنوات وبدأها في أيلول 2012.
وبخلاف عقوبة العزل من المنصب التي يتوقع أن يرفعها البرلمان للرئاسة باعتبارها آتية من النواب ذوي الأغلبية المؤيدين للسيسي، يواجه جنينة شبح الحبس استناداً إلى المادة 102 من قانون العقوبات الذي «يعاقب بالحبس وبغرامة مالية كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة ومغرضة أو بث دعايات مثيرة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس وإلحاق الضرر بهم»، علماً بأن النائب العام، المستشار نبيل صادق، تلقى بلاغات عدة ضد جنينة خلال المدة الماضية يجري التحقيق فيها.