بغداد | حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، كانت الضبابية وتضارب الأنباء سيدَي الموقف. فبين حديث يتتابع عن تحشيدات عسكرية وعن إمهال «البشمركة» 48 ساعة للخروج من مدينة كركوك، بقيت بغداد مصرّة على النفي «الرسمي» لوجود تحشيدات أو نية للصدام العسكري، وذلك بخلاف ما يجري على أرض الواقع.


أخذ التصعيد بين بغداد وأربيل مساراً جديداً منذ إعلان «مجلس أمن كردستان»، مساء الأربعاء الماضي، أنّ بغداد تحشد قواتها (الجيش والشرطة والحشد الشعبي) للهجوم على كركوك واستعادة السيطرة على الآبار النفطية، وهو الأمر الذي نفته بغداد عبر المتحدث باسم الحكومة سعد الحديثي، الذي أضاف أنّه «ليس في نية المركز» القيام بأي عملية حالياً.
في المقابل، عادت «البشمركة»، صباح أمس، لتؤكد موقفها بأنّ قوات من الجيش و«الحشد الشعبي» تتّجه نحو مواقع تمركز قوات «البشمركة»، وخصوصاً في الأماكن المحيطة بكركوك. ورأت قوات الإقليم، في بيان رسمي، أنّ تلك التحركات «بدأت بعد تصريحات وتهديدات أطلقها عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين العراقيين ضد الشعب الكردستاني، ما يشير إلى إشعال فتيل الحرب والاعتداء على كردستان». في السياق، بدت لافتةً لغة التراجع التي استخدمتها «البشمركة» في بيانها، إذ أشارت إلى أنّها «ضد الاقتتال وإراقة الدماء، (داعية) مجدداً إلى حلّ المشاكل السياسية عن طريق الحوار»، وذلك رغم تشديدها على أنّ «قوات البشمركة جاهزة ومستعدة للدفاع عن الشعب الكردستاني».
لكنها في الوقت نفسه، أفادت بأنها أرسلت آلافاً من القوات الإضافية إلى كركوك
لمواجهة «تهديدات» من الجيش العراقي. وقال نائب رئيس «الإقليم»، كوسرت رسول، إن «عشرات الآلاف من قوات البشمركة متمركزون داخل كركوك وحولها، وإن ستة آلاف آخرين وصلوا منذ أمس الخميس». وكانت «قوات الأمن الكردية» قد صرّحت بأن «البشمركة نقلت خطوطها الدفاعية بمسافة ثلاثة كيلومترات إلى عشرة كيلومترات جنوبي كركوك لتقليل احتمالات نشوب اشتباكات مع القوات العراقية» التي انتقلت إلى المناطق التي تم إخلاؤها من دون وقوع أي أحداث.
هذا المشهد المشحون عادت لتنفيه البيانات الرسمية الصادرة عن «قيادة العمليات المشتركة» (تضم مستشارين أميركيين) وعن وزارة الداخلية، إذ أكدتا أنّ ما يجري هو إعادة انتشار للقوات عقب تحرير مدينة الحويجة جنوبي كركوك.
وللمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة، وجّهت أربيل نداءً عاجلاً إلى المرجع الأعلى في النجف السيد علي السيستاني، مشددة على ضرورة التدخل، وذلك في مبادرة نادرة، إذ لم يُسجّل سابقاً للقوى الكردية اللجوء إلى السيستاني حتى في أشد حالات التوتر والتصعيد مع بغداد وغيرها. واللافت أن النداء جاء عبر رئيس حكومة الإقليم نجيرفان البرزاني، الذي كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن خلافاته العميقة مع عمّه، رئيس الإقليم مسعود البرزاني، ومع نجل الأخير، مسرور.
وقال نجيرفان، في بيان، إنّه يُطالب السيستاني وجميع الأطراف العراقية والمنظمات المدنية والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الحرب ضدّ «داعش»، إضافة إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، كما الدول الجارة، بـ«التدخل وأن يكون لهم دور لإبعاد المنطقة عن حرب جديدة».
وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» بوصول «رسالة تطمين حكومية للمرجعية الدينية بخصوص ما يجري من كركوك». وتشير إلى أنّ بغداد «لا تسعى للصدام المسلح أو استهداف الشعب الكردي»، لكنها تريد فقط «فرض السيطرة على حقول النفط ومؤسسات الدولة».


شرط التراجع فرضته
بغداد في الساعات
القليلة الماضية

وفيما لم يصدر أيّ موقف أو تعليق من رئيس «الإقليم»، نشرت قناة «العهد» التابعة لحركة «عصائب أهل الحق» (فصيل في «الحشد الشعبي») التي توجد قواتها على تخوم كركوك، أخباراً تُفيد بأنّ «البرزاني طلب من وسيط خاص إمهاله 48 ساعة لتسليم آبار نفط كركوك للقوات الاتحادية». ووفق القناة، فإنّ «الوسيط نقل قرار الحكومة الاتحادية للبرزاني بضرورة تسليم آبار النفط ومقار الجيش العراقي في كركوك». في هذه الأثناء، علمت «الأخبار» أنّ بغداد رفعت من سقف مطالبها قبل الشروع في أي حوار مع أربيل. فحتى أيام قليلة، كان شرط بغداد الوحيد هو إلغاء نتائج الاستفتاء للشروع في حوار، إلا أنّها فرضت شرطاً جديداً و«قاسياً»، يتمثل في انسحاب «البشمركة» إلى «الخط الأزرق» الذي رسمته الأمم المتحدة في عهد الحاكم المدني الأميركي بول برايمر.
وفي السياق، أكد مصدر حكومي لـ«الأخبار» أنّ هذا الشرط «غير المعلن رسمياً، فرضته بغداد في خلال الساعات القليلة الماضية»، مشدداً على عدم نية بغداد الدخول في أيّ صدام مسلّح مع «الإقليم». ولفت إلى أنّ «هناك تراجعاً واضحاً من قبل الأطراف غير الانفصالية (يقصد بها حزب الراحل جلال طالباني)، إلا أنّ الأطراف الانفصالية (حزب البرزاني) ما زلت مصرّة على مواقفها».
بدوره، قال وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس إن بلاده «تراقب عن كثب
التوتر حول كركوك وتعمل لضمان عدم تصاعده». وأضاف «نعمل من أجل ذلك. وزير الخارجية (ريكس تيلرسن) يقود (الجهود)... لكن قواتي تعمل أيضاً على ضمان أننا نبقي أيّ احتمال لنشوب نزاع بعيداً عن الطاولة».




مبادرة الساعات الأخيرة؟

في وقت متأخر من أمس، طرحت «حكومة الإقليم» مبادرة تضمنت خمسة بنود لحل المشاكل المالية والنفطية مع بغداد، أبرزها تخصيص نسبة 17 في المئة من نفط العراق للإقليم. واقترحت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة الاقليم، في بيان، أن «تدفع الحكومة العراقية رواتب الموظفين والعاملين في إقليم كردستان من قوات البيشمركة والشرطة والأسايش والمتقاعدين، والبالغة شهرياً 915 مليار دينار عراقي (نحو 782 مليون دولار أميركي)». ودعت الوزارة في بيانها إلى «تخصيص نسبة 17 في المئة من المنتجات النفطية للإقليم للاستخدام الداخلي ومحطات الكهرباء، إضافة إلى تخصيص نسبة 17 في المئة من الموازنة التشغيلية والموازنة المخصصة للرواتب». وطالبت، أيضاً، بضمانات من الحكومة بتوفير الاستحقاقات المالية للشركات العالمية التي تستثمر في قطاع النفط في الإقليم وفق العقود التي تم إبرامها.
وأشارت إلى أن «بإمكان الحكومة الاتحادية تخصيص نسبة 17 في المئة من مجمل المنتجات النفطية العراقية لإقليم كردستان، على أن تقوم حكومة الإقليم بتنفيذ الفقرات الأخرى المتعلقة بتخصيص الرواتب والموازنة».