بعد أن دفعت كل ما تملك في سبيل علاج ابنها، الراقد في مشفى الأطفال في دمشق، تضع أم وحيد حذاءها تحت رأسها، وتفترش أرض الحديقة المجاورة.

هناك تتحدّث عن الظروف التي تعيشها في رمضان: «قبل رمضان كنت أحظى ببعض المساعدات من المارة، وأحياناً لم أكن أحصل على أي طعام، لكن منذ بداية رمضان، يوزّع عدد من الشباب الطعام والماء، وأحياناً الفاكهة، على من تقطّعت بهم السبل».

وفي المقابل، تنتظر يارا، ابنة العشر سنوات، وصول السيارة الكبيرة إلى باب منزلها لتحصل على طعام الإفطار والسحور، لها ولبقية أفراد الأسرة. يارا التي تنقّلت عائلتها، أكثر من مرّة، بين أحياء مدينة دمشق، بعدما نزحت من جوبر قبل سنتين، أصبحت على قائمة المحتاجين بعد أن عجز والدها عن ممارسة أيّ عمل على أثر النزوح، وبعدما أنفقت العائلة كلّ مدخراتها.
سنوات الحرب فرضت على المجتمع شكلاً جديداً من أشكال من التعاون، خاصة بعد تراجع دور الجمعيات الخيرية، نتيجة تدني حجم التبرعات والمساعدات المقدمة لها، وارتفاع عدد المتضررين من الحرب. هذه الفجوة أسهمت بظهور مبادرات أهلية، تنوّعت خدماتها بين تأمين الاحتياجات الرئيسة، من ماء وغذاء، وبين تقديم الخدمات الصحية وغيرها.


توزيع 5 آلاف وجبة فطور و2200 وجبة سحور في اليوم الواحد

«كسرة خبز» و«خسى الجوع» مبادرتان من خمس، تسعى ـ بحسب القائمين عليها ـ إلى مساعدة المتضررين والمحتاجين، بعيداً عن أي توجّه سياسي أو ديني. «نحن فريق مؤلف من نحو 500 متطوع. قمنا بجمع أنفسنا في سبيل افتتاح مطبخ يقدم وجبات إفطار وسحور للمحتاجين. طموحنا في البداية كان توزيع ألف وجبة إفطار، بشكل يومي، إلى جانب 500 وجبة سحور، على أمل أن نصل إلى 10 آلاف وجبة مع نهاية الشهر الكريم، ويعمل معنا اليوم، في مطبخ كسرة خبز، مئة وخمسون متطوعاً»، يقول أنس أسود، المتطوّع في فريق «كنّا وسنبقى»، الذي يقيم عدداً من المبادرات على مدار العام.
معظم المبادرات الحالية تعمل على مبدأ قبول التبرعات العينية، من مواد وسلع، كالأرز والبرغل وغيرها، لإعداد وجبات الطعام التي يتكفل المتطوعون بإيصالها إلى المحتاجين، وفق برنامج محدد، وقوائم اسمية. إذ يوزّع فريق «كسرة خبز» وجباته على عدد من العائلات التي جمع معلومات عنها. كذلك فإنّ فريق «كنّا وسنبقى»، بحسب نائب الفريق فهد عوض، يمتلك «بيانات لنحو 1200 عائلة، موزعة بين أحياء دمشق، وريفها». ويشير عوض، في حديثه مع «الأخبار»، إلى أنهم توصلوا «إلى توزيع 5 آلاف وجبة فطور، و2200 وجبة سحور في اليوم الواحد». وتراوح كلفة وجبة الإفطار الواحدة، بحسب من التقيناهم من مشرفي المبادرات، بين 400 ـ 500 ليرة سوريّة.
وعلى الرغم من قلة عددها، إلا أنّ هذه المبادرات، الشبابيّة غالباً، لا تتواصل في ما بينها، وهو ما يؤكّده عوض بقوله: «لا يوجد تواصل مع باقي المبادرات لكننا نوزّع في مناطق لا يوجد فيها أية مبادرة. نحن نملك أربع سيارات جوالة توزّع الوجبات في جرمانا وصحنايا والكسوة وخان دنون، إضافة إلى مناطق ركن الدين والزاهرة وحي التضامن، ومحيط مشفى الأطفال ومشفى المواساة. كذلك خصّصنا خط هاتف ساخن، لتلبية أي اتصال يبلغ عن أفراد أو عائلات محتاجة، في أي منطقة من دمشق وريفها».
«إنّها سنتنا الثالثة على التوالي. البداية كانت بمطبخ، بالقرب من الجامع الأموي، واليوم لدى المبادرة ثلاثة مطابخ، يعمل فيها شباب متطوعون وتتوزع بين منطقة المزة والميدان» يقول عصام حبّال، المدير العام لمجموعة «ساعد»، ومشرف مبادرة «خسى الجوع». ويضيف: «لا تنقصنا العزيمة أو الإرادة لإعداد وتقديم 10 آلاف وجبة يومياً، لكن التمويل أحياناً هو الذي ينقصنا، فنحن نعد نحو 5 آلاف وجبة إفطار يومياً، وهذه الكمية تزيد وتنقص، حسب كمية المواد المتبرع بها. فنحن نحتاج إلى قرابة طن أرز يومياً، إضافة إلى الخضر والسمن، وغيرها من المواد لإعداد وجبة، لا ندعي أنها كاملة، إنما تعتبر وجبة متمّمة تحوي الأرز واللحوم والخضر».
«العمل مسلّ ومفيد وغير شاق» تقول راما يونس، الطالبة الجامعية التي خبرت النزوح، والإقامة في الحدائق ومراكز الإيواء، ما دفعها إلى الالتحاق بإحدى المبادرات الأهلية، مخصّصة ساعتين يومياً، للمساعدة في أعمال المطبخ. وفي حديثها مع «الأخبار»، تؤكد يونس أن «هذه المبادرات تدخل البهجة إلى قلوب الأسر المحتاجة. أعرف تماماً شعور المحتاجين إلى لقمة طعام دافئة».
ويبقى اللافت في عمل معظم هذه المبادرات أنه خارج نطاق رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية، ودون ترخيصها. فالمبادرات التي نشأت بجهود أهلية، والتي اعتمدت على المتطوعين في إنجاز أعمالها، لا تتلقى أيّة مساعدة ماليّة من الوزارة، التي تكتفي فقط بالتنسيق مع بعضهم.