تراجعت نسب المؤمنين على حياتهم في سوريا خلال العامين الأخيرين بمعدل 0.92%. وحسب بيانات رسمية صادرة عن هيئة الإشراف على التأمين، فإن مجموع أقساط التأمين على الحياة لم تتجاوز عام 2013 حاجز 223 ألف قسط، وفي العام التالي انخفض العدد إلى 220 ألف، فيما كانت أقساط التأمين الشامل على السيارات تبلغ نحو 1.767 مليون قسط والتأمين ضد الحريق 1.611 مليون، والتأمين الصحي 4.246 ملايين.


تدني الإقبال على التأمين على الحياة لا يقتصر سببه على الناحية الدينية، فبحسب مدير الإشراف على الشركات بالهيئة الدكتور رافد محمد، فإن «ارتفاع كلفة هذا النوع من التأمين وزيادة قيمته، ولا سيما إذا ما أضيف إليه تأمين أخطار الحرب والإرهاب» يشكل سبباً أساسياً في ضعف الإقبال، ولذلك احتل التأمين على الحياة مرتبة متأخرة في سلم أولويات المواطن السوري المتأزم أصلاً مادياً ومعيشياً، على حد تعبير محمد في حديثه لـ«الأخبار».

تعويضات مرتفعة

ومنذ الترخيص لشركات التأمين الخاصة بمزاولة العمل في السوق السورية مطلع عام 2005، وحتى ذروة الانتعاش الاقتصادي، وتحديداً في عام 2010، لم تتعد أحجام أقساط هذا النوع من التأمين 1.5% من إجمالي السوق السورية، ورغم أنّ المدير العام لهيئة الإشراف على التأمين الدكتور عمار ناصر آغا، توقع زيادة في عدد الراغبين في التأمين على حياتهم، بحيث تتناسب طرداً مع انتشار الجريمة ومخاطر التفجيرات والاغتيالات، إلا أنّ ما حدث كان العكس تماماً، فقد بدأت أعدادهم بالتناقص، رغم أن الحكومة حاولت مواكبة التطورات الميدانية. وبحسب ما يؤكده آغا لـ«الأخبار»، فقد صدر مرسوم تشريعي يتضمن خفضاً لرسم الطابع على التأمينات الصغيرة، ومنها التأمين على الحياة، غير أنّ شركات التأمين لم تستطع الاستفادة من هذا المرسوم والمبادرة إلى طرح منتجات تأمين حياة صغيرة تلبي حاجات المواطن من تغطيات محدودة وأقساط منخفضة. ويكشف الدكتور رافد في هذا السياق عن تسجيل الهيئة لمنتجين أو ثلاثة في أحسن الظروف، متهماً «القائمين على شركات التأمين العامة والخاصة بالتقصير في مجال التسويق لهذه الأنواع من التأمينات قياساً بتأمينات السيارات والصحة والحريق».
وتشديداً على أن الكرة في ملعب شركات التأمين، يبدي المدير العام للهيئة استعداده لدراسة أي مقترح تتقدم به شركات التأمين، يهدف إلى طرح منتجات تأمين حياة صغيرة أو حتى تسهيلات تشمل خفضاً بمعدلات الضرائب والرسوم على المطروح حالياً، ومن ثم عرضه على الجهات المعنية لإصدار القرارات اللازمة.

مشاكل كثيرة

اتهامات الهيئة واجهتها خبيرة شؤون التأمين في شركة المشرق العربي للتأمين، مادونا الزهر، بالرفض جملة وتفصيلاً، موضحة لـ«الأخبار» أن «تعويضات التأمين على الحياة مرتفعة جداً كمبيعات مقابل أقساط منخفضة، وهو سبب مقنع يجعل شركات التأمين تحجم عن طرح بوالص فيه إذا ما أخذنا بالحسبان رفض شركات إعادة التأمين الإقليمية والعالمية تغطية مثل منتجات كهذه مخاطرها عالية جداً في سوريا وخصوصاً على الأفراد، بينما التأمين على المجموعات متوافر، لأن احتمالات الربح أكبر من الخسارة، وذلك بعكس تغطية الأفراد».


أقساط التأمين
الصحي تبلغ نحو
4.246 ملايين

وإضافة إلى المعوقات السابقة يطرح المهتمون بقطاع التأمين مشاكل أخرى يفترض أن تجد معالجة موضوعية منها: ضعف سوق الائتمان والخبرة الاحترافية التي يحتاجها قطاع التأمين عموماً، وضعف الشفافية والتزام القوانين، والأهم أن بعض شركات التأمين تتنصل من منح بعض التعويضات بذرائع مختلفة، سواء للأفراد أو الشركات. فمثلاً، ألغت أخيراً «تأمين الشغب»، فيما تكشف البيانات المالية لإحدى كبريات شركات التأمين أنها لم تسدّد في عام 2013 أي تعويض عن حوادث السفر، كذلك لم تسدد سوى مبلغ 19 ألف ليرة سورية فقط كتعويض عن الحوادث العامة. هذا رغم ارتفاع حجم التأمين على الحوادث لدى تلك الشركة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي تلقائياً إلى تراجع مستوى الثقة التجارية بأعمال شركات التأمين وعلاقاتها مع المجتمع.
وتبقى المشكلة الدائمة المتعلقة بتدني ثقافة المجتمع السوري التأمينية ووعيه بأهميتها مستقبلاً، وهنا تحمّل الزهر هيئة الإشراف على التأمين «مسؤولية رفع الوعي التأميني»، ورجال الدين «مسؤولية الاجتهاد بتشريعات وفتواي تغير المعتقدات الخاطئة لدى الناس تجاه التأمين على الحياة والصحة». وهذا الجانب يشرحه مدير الإشراف على الشركات بشكل مبسط فيقول: «إن التأمين على الحياة لا يعني تأميناً على استمرارية الحياة (المخالف لكل الشرائع السماوية) بل هي تعويضات تعود بالنفع لورثة المتوفى صاحب التأمين، ولا تدفع إلا بعد توثيق الوفاة»، مضيفاً عاملاً آخر يسهم كثيراً في خفض حجم أقساط هذا النوع من التأمين وهو «الضمانات التي تقدمها الحكومة من خلال النقابات والاتحادات مثل تعويضات صندوق الوفاة وضمان الشيخوخة والمعاش التقاعدي».