بعض التحولات في موازين القوى تكتسب قيمتها من حجم آثارها وتداعياتها، كأنّها انقلاب استراتيجي تختلف الحسابات بعده عما كان قبله. وقد كان حسم الصراع على كركوك، المدينة العراقية المتنازع عليها والغنية بالنفط، في غضون ساعات دون قتال، حدثاً مدوياً برسائله للإقليم كله.


أول رسالة، أنّ مشروع تقسيم العراق إلى دويلات عرقية ومذهبية تقوَّض وضُربت ركائزه إلى حدّ بعيد. هواجس التقسيم والانفصال تراجعت، لكنها لم تغادر المكان.
ذلك الاستنتاج يقتضي نظرة أخرى تتجاوز قوة السلاح إلى حساب السياسة. فهناك مشكلة كردية عميقة ومؤسسات الدولة معتلة والتعقيدات في بنية المجتمع تنذر بمصاعب لا يمكن مواجهتها من دون مصالحات واسعة على أسس دستورية وسياسية تضمن الشراكة الوطنية وحقوق المواطنة وشفافية المال العام والتحكم في حركة السلاح.
الأطراف العراقية بلا استثناء واحد ــ تقريباً ــ تردد مثل هذه العبارات بصياغات مختلفة، والمصير الأخير معلّق على درجة الجدية في إدراك مواطن الخلل والعمل على تجاوز منزلقاته.
هذه ليست مسألة سهلة بأي حساب واقعي ينظر في التعقيدات والتداخلات التي تفاقمت إثر الاحتلال الأميركي لبغداد عام ٢٠٠٣.
في المجال العام، مبادرات لمصالحات وطنية واسعة تؤكد وحدة العراق واستقلال قراره، لكنها تفتقر ــ حتى الآن ــ إلى آليات واضحة تضمن جدية الالتزام. من أكثر العبارات شيوعاً في الخطاب العراقي المناهض لاستفتاء الانفصال أنّه تجاوز الدستور، الذي ينص على وحدة أراضي الدولة. التأسيس الدستوري لوحدة البلاد ضد أي مشروع للتقسيم والانفصال، أو أي تدهور في بنيتها الداخلية، مسألة حاسمة.


أسوأ ما يحدث أننا نعطي لإسرائيل أسباباً للقوة لا تستحقها

المشكلة في العالم العربي ــ مصر بالذات ــ أنّ أحداً لا يحترم الدستور ويلتزم بمقتضى نصوصه وروحه، رغم أن مثل هذا الاحترام أول متطلبات الدولة الحديثة. ورغم أي ملاحظات جوهرية على الدستور العراقي، إلا أن احترامه طوق إنقاذ لبقاء البلد موحداً.
ثاني رسالة، عمق الأزمة الداخلية الكردية. هُزِم «المشروع الانفصالي» من داخل إقليم كردستان قبل أن تتحرك الأرتال العسكرية العراقية وتُحكم قبضتها على كركوك بكل قواعدها ومطاراتها ومنشآتها النفطية والعامة، فضلاً عن استعادة جميع المناطق المتنازع عليها التي شملها الاستفتاء.
بتفاهمات مسبقة، حسب الشهادات والمعلومات المتواترة، سلمت قوات «البشمركة»، التابعة لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني»، كل هذه المواقع من دون قتال.
نظرياً: «البشمركة» تدخل في المنظومة العسكرية العراقية. عملياً: هي جيش خاص بالإقليم، لكنه يفتقد التماسك التنظيمي؛ فلكلّ حزب كردي ميليشياته الخاصة.
بافتراق الرؤى والتصورات وعمق الانتقادات المتبادلة بين الحزبين الكرديين الكبيرين «الحزب الديمقراطي» الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود البرزاني وله صلات قديمة مع إسرائيل، و«الاتحاد الوطني» الذي أسّسه الرئيس العراقي الراحل جلال طلباني وله صلات تاريخية مع الجار الإيراني، تشققت «وحدة البشمركة» وتبدّت على السطح الساخن اتهامات متبادلة، ليس أقلّها الخيانة. الصراعات متوارثة، فقد انشق الثاني عن الأول.
الشكوك عميقة؛ فحزب البرزاني يسيطر على أربيل ويمسك وحده بمقاليد السلطة وعوائد النفط، ويتهمه معارضوه بأنّ تجربته في حكم الإقليم، التي امتدت لأكثر من ربع قرن، لم تساعد على تحسين أحواله، وأنه محض ديكتاتور صغير أمّم الحياة السياسية ولم يترك منصبه رغم انقضاء مدته، وعطّل الحياة النيابية بالكامل.
وحزب طلباني يكاد يهيمن على السليمانية، وهي محافظة كردية مهمة، وحضوره السياسي والعسكري في كركوك المتنازع عليها أبرز وأقوى، وهو متهم ــ من قبل الحزب الآخر ــ بالخيانة نتيجة قرار منفرد اتخذه وانتهى بانسحاب «البشمركة» بالطريقة التي جرت.
المثير في القصة أن القوات التابعة للبرزاني لم تطلق رصاصة واحدة؛ لا قاتلت ولا دافعت، واستسلمت تماماً لحقائق القوة، مكتفية بإطلاق الاتهامات.
بدا أنّ جميع الأطراف الإقليمية والدولية حسمت أمرها بترك البرزاني وحيداً أمام تقدّم القوات العراقية. باستثناء إسرائيل، لم يؤيّد الاستفتاء على الانفصال أحد، ولم يكن في وسع الدولة العبرية أن تفعل شيئاً.
على أي أساس راهَنَ البرزاني على تصعيد الأزمة مع الحكومة المركزية ومع الجارين الإقليميين التركي والإيراني؟ هذا السؤال يشغل الأكراد قبل غيرهم. هناك مؤشرات على احتقانات تتصاعد واحتمالات مواجهات بين الفرقاء الأكراد، مع خسارة ما اكتسبوه من أرض أثناء المواجهات مع «داعش».
بالعودة إلى أوضاع ٢٠٠٣، خسارة البرزاني لا تُحتمل، وقدرته على البقاء بين قوسين كبيرين.
ثالث رسالة، تراجع احتمالات تقسيم دول المشرق العربي، وأهمها سوريا، وأيّ دول عربية أخرى. تقويض المشروع الانفصالي في العراق يفضي بالتبعية إلى تقويض مماثل لأي مشروعات انفصالية محتملة. كألعاب الدومينو، ما إن يسقط حجر حتى تتبعه أحجار أخرى.
إذا مضى مشروع انفصال كردستان العراق إلى نهايته، فإنّ المصير نفسه سيكون مرجّحاً في سوريا حيث تُرسم الخرائط بحسابات السلاح. فللولايات المتحدة تحالف وتدعم وتخوض معارك مشتركة مع «قوات سوريا الديموقراطية» بأغلبيتها الكردية لحسم معركة الرقة، عاصمة دولة الخلافة، وتستخدم نفس القوات لقطع الطريق على تقدّم الجيش السوري في دير الزور.
هذه لم تكن مناكفات ميدانية بقدر ما هي محاولة بالسلاح لرسم خرائط على الأرض قبل التوصل إلى أي تسوية سياسية.
كلا اللاعبين الإقليميين الكبيرين، الإيراني والتركي، ناهض اللعبة، إذ إنّ نتائجها تهدد أمنهما القومي على نحو خطير. كان لذلك دور حاسم في إنهاء الانفصال المحتمل لكردستان العراق خشية أن تمتد اللعبة إلى سوريا.
أحد الأسباب الجوهرية لتصدّع العلاقات بين واشنطن وأنقرة عدم اطمئنان الأخيرة لأي تعهدات أميركية بشأن احتمالات تأسيس دولة كردية في الشمال السوري على الحدود التركية، حيث تقطن أقلية كردية كبيرة تتجاوز ٢٠ مليوناً في بعض التقديرات، وهو ما يفضي إلى تفككها كدولة إقليمية كبيرة.
رابع رسالة، أنّ مشروع التحالف التركي الإيراني العراقي قد يأخذ مدى أوسع بعدما تمكن في وقت قياسي من إجهاض الانفصال الكردي في العراق.
باليقين، إنّ الدور الإيراني أكبر في حسم الصراع على كركوك، لكنّ تركيا ــ من ناحية استراتيجية ــ ربحت من مثل هذا التحالف.
بالقدر ذاته، فإنّ دولاً عربية كثيرة مهددة بـ«دومينو التقسيم» قد ربحت من دون أن تكون طرفاً له دور أو تأثير، وأحياناً أثارت شكوكاً حول أين تقف بالضبط؟
كانت إسرائيل الخاسر الأكبر في إجهاض مشروع الانفصال. فقد راهنت على تفكيك العالم العربي وإعادة بناء شرق أوسط جديد تلعب فيه دور المركز بإدارة تفاعلاته ومصالحه. بالتوقيت ذاته، خسرت رهاناً آخر على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية تحت غطاء المصالحة بين «فتح» و«حماس» لتجاوز الانقسام القاتل، والدور المصري حاضر وفاعل في الملف.
السؤال الأهم في كل تلك الرسائل العاجلة: أين مصر ــ بالضبط ــ في النظر إلى توازنات القوى وتحالفاتها المستجدة في الإقليم؟ في أي حسابات للمصالح الاستراتيجية، إيران وتركيا ليستا عدوتين أياً كانت مساحات الاختلاف، وإسرائيل ليست صديقة أياً كان ضجيج الدعايات.
أسوأ ما يحدث أننا نعطي لإسرائيل أسباباً للقوة لا تستحقها، وننزع عن أنفسنا أيّ قدرة على المبادرة تجاه الإقليم وأزماته. أرجو أن نقرأ بشيء من التأمل رسائل كركوك العاجلة.
*كاتب وصحافي مصري