نقطة جديدة تضاف إلى سجل إخفاقات أجهزة العدو الأمنية في كبح عمليات المقاومة، وبالأخص الدهس والطعن وإطلاق النار. فبعد عامين على شرارة «الانتفاضة الثالثة»، التي تميّزت بعمليات غير معهودة ينفذها أفراد ليس بالضرورة أن تكون تحركاتهم بموجب تعليمات حزبية أو فصائلية، وجد العدو نفسه أمام حقيقة تفيد بأن مقدراته الأمنية والاستخبارية أخفقت في إحباط معظم هذه العمليات، وأيقن بأنه يستحيل «أخذ راحة طويلة»، إذ كلما انخفضت وتيرة العمليات، يُفاجأ بعمليات جديدة ونوعية.


هذا الإخفاق دفع الشرطة الإسرائيلية إلى البحث عن أساليب جديدة تمكنها من زيادة سرعة رد الفعل لدى أفرادها في لحظات بدء تنفيذ حدث ما. ووفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ستبدأ الشرطة بنصب أجهزة تجسس ومجسات إلكترونية حساسة داخل الأماكن العمومية. ستكون هذه الأجهزة موصولة بمراكز الشرطة في أماكن متعددة، لمراقبة الأحداث الاستثنائية، وفي مقدّمها الأمنية. أمّا الاختبار الأول للمشروع، فسيكون في مدينة القدس المحتلة.
مشروع التنصت هو جزء من تجربة يخوضها جهاز الأمن الإسرائيلي لإنجاح عمل مركز الخدمات التابع للشرطة (مركز 100). ويهدف إلى «زيادة سرعة رد الفعل لدى عناصر الأمن»، فكيف ستعمل هذه الأجهزة؟ تُركب مجسات التنصت في الأماكن العمومية التي يرتادها الناس مثل المقاهي والحدائق والمراكز الجماهيرية وغيرها من الأماكن المصنفة ضمن مناطق معرضة لحدث أمني.
هذه المجسات تستطيع تشخيص الأصوات وتحديدها مثل الصراخ الناجم عن هلع أو صوت إطلاق نار أو انفجار أو تكسير الزجاج، وبعد ذلك توجّه الأجهزة أقرب كاميرا إلى المكان الذي خرج منه الصوت. وبما أن الكاميرات كلها موصولة بمركز التحكم والمراقبة، يرسل الأخير تعليمات إلى الشرطة لتحريك عناصرها. وعند تعذّر وجود كاميرا في المكان، ترسل أجهزة التنصت فوراً تقريراً مفصلاً إلى المراكز.
وفق «يديعوت»، ستكون مراكز الشرطة الموجودة في مناطق مختلفة موصولة مع مئات الكاميرات الأمنية. لكن «هذه الكاميرات لن تستطيع منع حوادث قبل وقوعها». أمّا فكرة المشروع، فهي عائدة إلى عدد من الضباط الذين اقترحوا على وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، تركيب أجهزة ومنصات لإحداث تحسين دراماتيكي في عملهم وسرعة الاستجابة.
أيضاً، يستطيع الجهاز بوساطة خوارزمية معينة أن يحدد أصواتاً فريدة من نوعها، وهو ما جعل تكلفة الوحدة تبلغ أكثر من 100 ألف شيكل (100 دولار أميركي = 350 شيكل)، وخاصة أن فيها من الدقة القدرة على التمييز بين صراخ في حديقة خلال ساعات الظهر، أو صراخ في الحديقة نفسها أثناء ساعات الليل. فالأولى يمكن أن تكون نتيجة لأطفال يلعبون، والثانية لشجار أو إشكال معين بين شبان.
وبالنسبة إلى الالتفاف على القانون، فَحَصَت وزارة الأمن الداخلي والشرطة هذه المسألة بموجب قانون «التنصت السري»، وحصلوا على مصادقة لتفعيل هذه المنظومة، بعدما قرر المستشار القضائي للحكومة، أفيخاي مندلبليت، أن «الحديث ليس عن تنصت على شخص معين»!
هذا كله ليس اعترافاً بالفشل الأمني فقط، وإنما نقطة جديدة في السجل الأسود لـ«الدولة الديموقراطية» التي لا تتوانى حتى عن انتهاك خصوصية «مواطنيها» بذريعة الأمن. يقول المحامي الفلسطيني، يامن زيدان، إن «استخدام الكاميرات عموماً يولّد أسئلة قانونية وحقوقية مهمة، وخصوصاً المتعلقة بحق المواطن في الخصوصية التي من المفترض أنها حق دستوري في «دولة» تحترم الحقوق الأساسية والدستورية».
فكيف الحال إذا كان الحديث يدور حول أجهزة تنصت وتجسس كعامل مساعد على مهمة الكاميرات التي هي محل إشكال؟ يجيب زيدان بأن «هذا يزيد التعقيد القانوني، لأنه يرفع مستوى المس بالحق الدستوري من دون ذريعة محددة، وخصوصاً أنه من جهة ينفي الهدف الرئيسي من وراء تنصيب الكاميرات ويضعها في خانة المراقبة الأمنية والشخصية البحت، كما أنه لا يبرر الرقابة الجماعية مطلقاً».
بالنسبة إلى النصوص القانونية، يأتي «قانون حماية الخصوصية» على عدة بنود تقضي بمنع التقصي ومراقبة الأفراد أو التنصت عليهم أو تصويرهم أو نشر صورهم لأهداف مسيئة. كما يمنع استخدام المعلومات الخاصة بالأفراد. أمّا قانون «حظر التنصت»، فهو واضح في كونه يعالج «حالات خاصة وفق معايير واضحة لها صلة (بالجريمة) الجنائية أو الأمنية». والإجراءات الواضحة في هذا الشأن تفيد بوضوح بمنع التنصت إلا إذا توفرت الشروط، كما لا يمكن «استعمال المواد المخرجة لإدانة المتهم»، وفق زيدان.
إذاً، يصير قرار الوزير إردان «مسّاً سافراً» بخصوصية الأفرد، حتى لو كانت الذريعة أمنية. فاختيار القدس لحقل تجارب في هذا المشروع ليس عفوياً، وخصوصاً في القسم الشرقي منها حيث يوجد الفلسطينيون. ويرى المحامي الفلسطيني أنه «لو كان المشروع سيختبر في تل أبيب، لكانت الدنيا ستقوم ولن تقعد. أمّا في القدس، فعلى الأغلب سيلقى القرار احتضاناً من الشارع الإسرائيلي، وخصوصاً أن المس سيطاول حق المواطن العربي الفلسطيني».