الجزائر | سبّبت تصريحات الوزير الجزائري للشؤون المغاربية والأفريقية والعربية عبد القادر مساهل، أزمة عاصفة بين الجزائر والمغرب، خاصة بعدما انتفضت الخارجية المغربية، رافضةً بشدة الاتهامات التي ساقها مساهل، فاستدعت القائم بالأعمال الجزائري في الرباط وسحبت سفيرها من الجزائر العاصمة. وحتى في الجزائر، أثارت تلك التصريحات مفاجأة لدى كثير من المتتبعين الذين تعودوا الأسلوب الهادئ للخارجية الجزائرية، في معالجة كل ما يتعلق بملف العلاقة مع المغرب.


ومما أغضب المغرب في تصريحات وزير الخارجية الجزائري أنه قال إنّ المصارف المغربية المنتشرة في أفريقيا تقوم بـ«تبييض أموال تجارة الحشيش»، مستنداً كما قال إلى «كلام سمعه من رؤساء دول أفريقية». وأضاف اتهامات أخرى إلى شركة الخطوط الملكية المغربية، التي قال إنّها «تنقل أشياء أخرى غير المسافرين».
وجاء كلام مساهل في سياق ندوة نظمها «منتدى رؤساء المؤسسات»، وهو أكبر منظمة لرجال الأعمال في الجزائر، حيث استفزته مداخلات لعدد من رؤساء المؤسسات الجزائرية يعيبون على حكومة بلادهم تأخرها بالمقارنة مع المغرب في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية في أفريقيا، وهو ما اجتهد الوزير الجزائري في نفيه، عبر تنبيههم من وجهة نظره إلى «حقيقة الاستثمارات المغربية في أفريقيا».
وبدا من كلام الوزير الجزائري أنّه منزعج جداً من الكثير من التحليلات التي عادة ما تُجري مقارنة لفائدة المغرب في المجال الاقتصادي، في مقابل انتقادات شديدة للجزائر التي لا تزال موازناتها تعاني من تبعية مفرطة لقطاع المحروقات. وقال متهكماً في هذا السياق: «إنّ المغرب ليس سوى منطقة تبادل حرّ يأتي إليها الفرنسيون ليقيموا مصانع ويشغّلوا بعض المغاربة». ويُلمِّح كلام مساهل في جزء منه إلى مصنع «رونو» للسيارات القائم في طنجة، الذي يُقدَّم في العادة على أنه نموذج ناجح بالمقارنة مع المصنع الذي أقامته نفس الشركة في الجزائر.
ولم يقتصر كلام مساهل على إبراز مشاكل المغرب فقط، بل تعداها إلى الحديث عن مصر التي قال إنها تقضي وقتها في البحث عن مقرضين لمواجهة مشاكلها المالية الضخمة، وإلى الحديث عن تونس أيضاً التي قال إنّها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة. وحتى ليبيا التي وصفها بالبلد الخالي من الاستثمارات. وانتهى الوزير الجزائري في خلاصة كلامه إلى أنه لا يوجد أي بلد قادر على منافسة الجزائر في مجال الاستثمارات، مستنداً إلى تقرير «دوينغ بيزنس» الذي يُعدّه البنك الدولي، على الرغم من أنّ هذا التقرير يضع الجزائر في مرتبة متأخرة جداً من حيث مناخ الاستثمار.
وعلى الرغم من أنّ الخطاب الرسمي في الجزائر يبدي انزعاجاً كبيراً إزاء ما يصفه بـ«عمليات إغراق البلاد بالمخدرات» عبر الحدود مع المغرب، إلا أنه لم يصل إلى هذه الدرجة في اتهام الجانب المغربي. ولذلك، جاء ردّ الفعل المغربي حاداً جداً، في ظل إصدار بيان شديد اللهجة، وصف تصريحات مساهل بـ«الصبيانية» وترك الهامش للشركات المغربية المتضررة من تصريحاته خيار اللجوء إلى القضاء.
ولعبت الخارجية المغربية على وتر المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الجزائر، إذ جاء في بيانها أنّ «هذه المزاعم والأكاذيب لا يمكنها تبرير الإخفاقات أو إخفاء المشاكل الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا البلد، والتي تمسّ شرائح واسعة... وخاصة الشباب». وردّت الدبلوماسية المغربية على مساهل بأنّ أقواله «تدلّ على جهل، بقدر ما هو عميق فإنه لا يغتفر».


قال وزير جزائري إنّ المصارف المغربية في أفريقيا تُبيِّض الأموال

في المقابل، رفضت الخارجية الجزائرية تصعيد الموقف مع المغرب، ورفضت التعليق عليه مباشرةً. ونقلت الصحف الجزائرية عن مصدر دبلوماسي أنّ كلام عبد القادر مساهل الذي سبّب أزمة ديبلوماسية مع المغرب لا يمثّل تصريحات واردة في خطاب رسمي للخارجية الجزائرية، بل هو «مجرد تعليق على تساؤلات طرحها رجال أعمال جزائريون». وأبرز المصدر الدبلوماسي أنّ «الوزير أراد وضع رجال الأعمال الجزائريين في الصورة ودفعهم إلى التخلي عن خطاب جلد الذات الذي يمارسونه بخصوص الجزائر ومقارنتها في كل مرة بالمغرب دون أن تكون لهم الحقائق الكافية حول الأساليب التي يستعملها هذا البلد والضرر الذي يسببه للعديد من الدول الأفريقية تحت مسمى الاستثمار».
ورأى هذا المصدر الذي في العادة يكون مسؤولاً بالخارجية الجزائرية، أنّ هناك خلفيات تُحرِّك المغرب في هجومه على الجزائر، أبرزها عدم تمكنه من توريط الجزائر في ملف حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وعدم قدرته أيضاً على إقناع الدول الأفريقية برفض مشاركة الصحراء الغربية كدولة في اجتماع الاتحاد الأفريقي ــ الاتحاد الأوروبي الذي سيُنظَّم في ساحل العاج.
واللافت أنّ الاحتكاك بين الجزائر والمغرب، قد زادت حدته في الفترة الأخيرة، بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، علماً أنّ الرباط كانت قد انسحبت من منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984 احتجاجاً على انضمام «الجمهورية الصحراوية» إليها. ويحاول المغرب خلق لوبي اقتصادي داخل أفريقيا، وهو ما بدأ يثير انزعاج الجزائر التي ترى أنّ هذا الأمر يهدف إلى إقناع الدول الأفريقية بتأييد المغرب في مشروع الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو ما يتعارض مع ما تعتبره «حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره».
يُذكر أن الحدود البرية بين الجزائر والمغرب مقفلة منذ عام 1994، بينما تكاد الزيارات الرسمية تنعدم بين البلدين.