لا تصح قراءة المجزرة التي ارتكبها جيش العدو بحق عناصر وكوادر «الجهاد الاسلامي»، ومعهم إخوتهم في «كتائب القسام»، من زاوية أن إسرائيل تمتلك القدرات الاستخباراتية والعملانية التي تمكنها من الاعتداء. وعندما سنحت لها الفرصة الميدانية، اقتنصتها بأشد ما يمكن.


فبالاستناد إلى سوابق العدو في اقتناص الفرص السياسية والميدانية، وتحديداً عندما يكون في موقع المبادر في توجيه ضربات مدروسة وهادفة، فإن كلمة السر تكمن في التقديرات التي استند إليها صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب لدى دراسة خيارهم العدواني، وتحديداً في ما استندوا إليه في استبعاد الرد، أو بعض خياراته، على الأقل.
بعدما باتت المدة الفاصلة عن الاعتداء تُعَدّ بالأيام، قد تكون إسرائيل ركنت إلى صحة تقديراتها التي من الواضح أنها ارتكزت على «قيد» المصالحة الفلسطينية، والتي تحت عنوانها مورست الضغوط على حركة «الجهاد» من أجل منعها من الرد، وهو ما برز في «الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر في محاولة لتهدئة الأوضاع»، كما ذكرت صحيفة «هآرتس». وتختبر إسرائيل في كل محطة الغطاء التسووي الذي يوفره معسكر «الاعتدال» العربي بارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني، وهذه المرة أيضاً تزامناً مع مساعي التسوية الإقليمية. ومن نافلة القول أنهم في تل أبيب ليس لديهم أي قلق إزاء ما قد يترتب عن هذه المجازر من تداعيات تتصل بقطار التسوية الذي يواصل مسيره التصاعدي باتجاه الرياض.
من الواضح أنهم في تل أبيب يشعرون بأنهم نجحوا في حشر المقاومة في غزة بين خيارين: إما المحافظة على المصالحة، الذي يفترض عدم الرد التناسبي على العدوان، وتحديداً من القطاع، وإما الرد الصاروخي الذي يفترضون أن أولى ضحاياه ستكون المصالحة الفلسطينية.


يشعرون في تل أبيب بأنهم نجحوا في حشر المقاومة بين خيارين

وبالاستناد إلى ما ورد بأقلام معلقين إسرائيليين، يمكن التقدير أنه كان هناك مساحة ما من الرهان على أن تؤدي المجزرة إلى إيجاد شرخ بين «الجهاد»، إذا أصرت على الرد الصاروخي القاسي تناسباً مع حجم الجريمة، وبين «حماس» التي قدروا أنها ستصر على موجبات نجاح المصالحة. وللغاية نفسها، جرى بصورة مسبقة تحميل «حماس» مسؤولية أي رد من «الجهاد».
مع ذلك، يتخوفون في تل أبيب من أن استبعاد الرد الصاروخي في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة استبعاد خيارات الرد الأخرى، خاصة أن الفرضية السائدة في تل أبيب، كما برز في مقاربة المعلقين الإسرائيليين، هي أن «الجهاد» لا تستطيع تجاوز هذه المجزرة رغم الضغوط.
نتيجة هذه المخاوف، تتركز المتابعة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على محاولة اكتشاف ساحة الرد وحجمه وأسلوبه. وتراوح التقديرات بين تنفيذ عمليات على شريط القطاع، وفي الضفة وداخل أراضي الـ48. في المقابل، يحاول إعلام العدو الترويج لمقولة المتحدث باسم الجيش، العميد رونين مانليس للصحافيين، التي اعترضت عليها قيادات يمينية، وفيها أن إسرائيل لم تكن على علم بوجود شخصيات رفيعة في المقاومة. كأن استهداف عناصر المقاومة مسموح به!
مع ذلك، الأصل في تفسير هذا النوع من الترويج أنه يهدف إلى محاولة امتصاص الغضب الفلسطيني، والتنصل من المسؤولية من أي سيناريو يلي الحادثة، وأيضاً تزويد الجهات التي تمارس الضغوط على «الجهاد» بمعطيات مزورة تساعد في إحراجها. وما يعزز هذا المفهوم أن جيش العدو نشر بطاريات «القبة الحديدية» قبل المجزرة التي ارتكبها («هآرتس»)، والأمر نفسه أكدته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عندما كشفت أنه «على مدار أيام طويلة، تواصلت الاستعدادات لتدمير النفق... ودخلت وحدات في القيادة الجنوبية والمخابرات العسكرية والقوات الجوية في حالة تأهب منذ نهاية الأسبوع، واستعدت قوات الجيش الإسرائيلي للهجوم والدفاع، في ضوء احتمال أن يؤدي تدمير النفق إلى رد فعل مضاد».
هذا كله يؤكد أن إسرائيل كانت تدرك أن نتائج الضربة التي تريد تنفيذها وحجم الخسائر البشرية قد تدفع فصائل المقاومة في غزة إلى الرد الصاروخي، كذلك تفيد المعلومات من القطاع بأنه ما زال هناك بين ٥ و٦ مقاومين لم يُنتَشلوا إلى حد الآن من داخل النفق، وهم في الجانب الإسرائيلي من الحدود. وتتواصل الفصائل حالياً مع «الصليب الأحمر الدولي» للمساهمة في انتشال جثامينهم.
أياً ما كان الاتجاه الذي سيسلكه الميدان، فقد وجهت إسرائيل أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه. فهي أكدت بالممارسة العملية أن المصالحة لا تقيّدها عن مواصلة اعتداءاتها ضد الشعب والمقاومة في فلسطين، وأنها لا تلزمها أي سقوف سياسية أو ميدانية. وأثبتت أيضاً أنها ترى في المصالحة التي رفضتها إلّا بشروط محددة، فرصة تراهن بها على تقييد المقاومة عن الرد على اعتداءاتها وصولاً إلى محاولة فرض سقوف جديدة عليها.
مع ذلك، ينبغي القول إن فرضية نجاح العدو في تضييق الخيارات أمام الطرف الفلسطيني لا تنبع من توقيته الهادف فقط، بل أيضاً لركونه إلى أن الطرف الفلسطيني التسووي لن يساوم على رفضه لحق المقاومة في الدفاع عن نفسها وعن شعبها. وإلّا لو قدرت تل أبيب أن المجرزة التي سترتكبها سوف تؤدي إلى التفاف الفصائل الفلسطينية كافة أياً كانت توجهاتها السياسية حول حقها بالرد، لتغير المساران الميداني والسياسي.
ومع أن إسرائيل لم تكن طرفاً مباشراً في المصالحة، فإنها كشفت بالممارسة عن أنها تملك خيارات عملانية تستطيع بها إرباك الساحة الفلسطينية. وأنها تملك القدرة والإرادة على فرملة أي صيغة سياسية لإدارة الواقع الفلسطيني، والحؤول دون الخواتيم التي تتعارض مع ثوابتها. وهكذا تؤكد إسرائيل على الدوام حقيقة أنه ليس للشعب الفلسطيني أي خيار لتحقيق أي سقف يطمح إليه إلا بالمقاومة، وأن كل السبل الأخرى، لن تتجاوز سقوفها «أوسلو» بنسخه المتجددة.