يبدو أن الانقسام بدأ يدب في ائتلاف «فجر ليبيا» ــ الذي يحكم مع كل من حكومة خليفة غويل والمؤتمر الوطني العام أغلب المناطق في الغرب الليبي ــ إزاء التوقيع الأولي على اتفاق الصخيرات الأخير، ما قد يتسبب ببداية انحلال هذا الائتلاف وبداية تغيير محتمل لخريطة الصراع في ليبيا.

ولعلّ أبرز العوامل، أيضاً، التي قد تقود إلى التوزيع الجديد لقوى الصراع في ليبيا تكمن في بروز أمراء حرب في المنطقة الغربية (حيث العاصمة طرابلس) وفي المناطق المتاخمة جغرافياً لكل من تونس والجزائر. وهو مشهد لا يعني الداخل الليبي فقط، بل من شأنه تحديد آليات عمل المجتمع الدولي لناحية توزع فرضيات التدخل العسكري الأجنبي، سواء عبر تدخل ضمن الأسلوب «الخاطف والسريع» أو عن طريق تدخل شامل في ما يشبه عملية جراحية لـ«استئصال ورم الإرهاب».

كذلك، فإنّ جملة المؤشرات الجديدة على احتمال تغير خريطة الصراع في الغرب الليبي ستطرح لدى الدارس لطبيعة التحالفات المعقدة التي جمعت القوى المسلحة المكوّنة لائتلاف «فجر ليبيا» تساؤلاً بشأن طبيعة العلاقة التي قد تجمع بين المكونات الموافقة، وتلك غير الموافقة، على الحل السياسي الموقع نهاية الأسبوع الماضي في المغرب.

بروز أمراء حرب في المنطقة الغربية قد يقود إلى توزيع جديد لقوى الصراع في ليبيا

إنّ هذا الائتلاف قام في سياقه التكويني على قاعدة من المصالح السياسية والمادية والقبلية، أكثر منها على مشروع سياسي معيّن، وعلى نفس الأساس، فإن الانشقاقات ستكون وفق الصيغة السابقة: بعض الميليشيات المسلحة التي التحقت بالائتلاف على أساس تحقيق مصلحة مادية سوف تشتغل على أجندة جديدة بنفس المسوغات المادية والارتزاقية، حتى لو وصل الأمر إلى التحرك والتحالف مع الشق الآخر للصراع (قوات الجيش التابع لبرلمان طبرق) أو حتى التعاون مع التنظيمات الجهادية، وخاصة أنها ميليشيات تعمل على التهريب بين حدود المنطقة المغاربية.
بعض الكتائب الأخرى التي حاربت إبان «ثورة 17 فبراير» على أساس مرجعية وأجندة جهادية ووفرت لها «فجر ليبيا» مظلة للنشاط بهدف تغطية أنشطتها الإرهابية، سوف تجد نفسها ملتحقة بالتنظيمات الإرهابية الناشطة في ليبيا، وأبرزها تنظيم «داعش» وتنظيم «المرابطون» وبصفة أقل تنظيم «القاعدة» في المغرب. وهؤلاء كثر وموجودون بالأساس في صبراتة وزليتن وبعض المعسكرات الأخرى في قلب صحراء الجبل الغربي المحاذية لتونس والجزائر.
أما أغلب من سيتجه إلى التحالف التكتيكي والعسكري مع «داعش» فسيكون خاصة من بين الجهاديين السابقين الذي نشطوا ضمن «الجماعة الليبية المقاتلة»، والذين أسسوا تنظيم «أنصار الشريعة» الذي بدوره تحالف مع قوى «فجر ليبيا» وبخاصة قوات الدروع التابعة لمصراتة في حربها ضد قوات مجلس نواب طبرق، وذلك قبل أن يبدأ في الانحلال، مقابل انضمام مقاتليه إما لقوات جهادية قريبة من «قاعدة المغرب الإسلامي» وتنظيم «المرابطون» بزعامة مختار بلمختار، أو تنظيم «داعش».
واستطراداً، فقد تمكن «داعش» من تأسيس قاعدة انطلاق استراتيجية تأتي في وسط الشريط الساحلي الليبي في مدينة سرت وأصبح يهدد مدينة مصراتة ــ عمود «فجر ليبيا». وعلى هذا الأساس، يبدو أن كتائب «فجر ليبيا» انقسمت في ما بينها بين من يسعى إلى الهدنة مع «داعش» بعد العمليات الكبيرة التي قام بها التنظيم في قلب سرت، ومنها تفجير القاعدة الجوية ومقتل قائد استخبارات التنظيم، وكتائب أخرى ترى ضرورة الدخول في حرب مفتوحة معه والدفع نحو الالتحاق بالاتفاق الموقع في الصخيرات وتأسيس جيش لمحاصرة خطر هذا التنظيم الذي أصبح يسعى إلى التوسع نحو منطقة الجفرة التي تعتبر قلب ليبيا النابض، إذ إنها تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب.
في غضون ذلك، فإن أسلوب «الدفع نحو الهاوية» الذي اعتمده مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برنادينيو ليون، ساهم في بداية عزل القوى التي لا تسعى إلى الحل العسكري، الأمر الذي دفع إلى بداية اتضاح خريطة الصراع.
ويشبه التكتيك الدبلوماسي الذي اعتمده ليون إلى حد بعيد ذاك المعتمد سابقاً من قبل مبعوث الأمم المتحدة إلى مالي، منجي الحامدي، ومن خلفه الدبلوماسية الجزائرية. وجرى الاعتماد في حينه على جمع «المتمردين» من الطوارق على طاولة الحوار والحل السياسي واستثناء من رفض التوقيع من الحركات المتمردة كحركة «أنصار الدين».
اختصاراً، يبدو أن الفترة قصيرة أمام القوى المكوّنة لـ«فجر ليبيا» للالتحاق بالحل السياسي، قبل أن تنهش مخالب الحل العسكري كل القوى الرافضة لتوقيع مسودة الصخيرات. وفي الأثناء، فإنّ مراقبين يحذرون من أنّ على دول الجوار أن تتحضر جيداً للمرحلة المقبلة التي قد تشهد انفلاتاً كبيراً على الحدود من قبل التنظيمات الجهادية.