لا يكاد الجدل الذي يُثار حول «جيش الإسلام»، وقائده زهران علّوش أن يتوقّف حتى يعود إلى الواجهة من جديد. كثيرة هي الاتهامات التي طاولت علّوش و«جيشه» بـ«التهاون والانسحاب من الجبهات، وخذلان الثوّار». خلافاتٌ عدّة نشبت بين «جيش الإسلام» وعدد من «فصائل الغوطة»، ودائماً ما كانت الغلبة للأوّل.


وليست التظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها مناطق نفوذ علّوش في الغوطة الشرقيّة بين الفينة والفينة بأقلّ منها. رغم ذلك، بقي قادراً على فرض حضوره، من دون أن تلقى الأصوات المعادية له صدى مجدياً. حافظَ علّوش على مكانةٍ يرى كثير من مناوئيه أنّها أكبر من قدراته. تكرّرت رحلاته الخارجيّة، زار السعوديّة والأردن مرات عدة، قبل أن يظهر فجأة في تركيّا. («الأخبار»، العدد 2570). أولته وسائل الإعلام اهتماماً زائداً بلغ ذروته إثر المقابلة التي أجراها معه موقع «ماكلاتشي» الأميركي، وأدلى فيها بكلامٍ يخالفُ ما دأب على تكراره سابقاً حول شكل الدولة السورية في رأي «جيش الإسلام». اتّهم علوش بـ«العمالة للاستخبارات» السورية مرات، والأميركية، والسعودية مرات أخرى. أحدثُ تلك الاتهامات جاء على لسان المغرّد السعودي الشهير «مجتهد» قبل شهر، حين تحدّث عن لقاءات عقدها علوش مع «الاستخبارات السعودية والأميركية والأردنية في فنادق عمان لتنسيق الوضع ضد تنظيمَي داعش وجبهة النصرة، إضافة الى مهمات أخرى».

علوش والاستخبارات

خلال اليومين الأخيرين، عادت تغريدات «مجتهد» إلى التداول، على خلفية الخلافات المستجدّة بين «جيش الإسلام» و«جبهة النصرة» في الغوطة الشرقيّة، حيث رأى مناوئو علّوش أنّ التوتّر بين الطرفين دليلٌ على أنه «بدأ بتنفيذ المهمات التي أوكلت إليه»، الأمر الذي يصفه الناطق الرسمي باسم «جيش الإسلام» إسلام علّوش بأنّه «كلام فارغ». علّوش ردّ على الاتهامات باتهامات مضادة، وأكّد لـ«الأخبار» أنّ هذا الكلام «روّجت له أجهزة الاستخبارات ومنهم مجتهد». وعزا الاتهامات إلى أن «الشيخ زهران يواجه داعش، وهذا يهدد مصالح بعض الدول في المنطقة»، قبل أن يعتذر عن عدم الخوض في تفاصيل أكثر، مرجعاً تحفّظه إلى إيلاء الاهتمام في الوقت الراهن لـ«محاولات إخماد الفتنة». على النغمة ذاتها، عزف مصدر مرتبطٌ بـ«جيش الإسلام»، مشترطاً عدم ذكر اسمه. المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ «كل ما يحصل في الساحة الشاميّة كشف لكل ذي عقل من هم عملاء الاستخبارات وأدواتها». المصدر أكّد أن «أجنحة داخل النصرة مرتبطة كليّاً بأجهزة استخبارات من كل الجهات». وأضاف: «كثرة الرؤوس داخل جبهة النصرة كانت عاملاً أساسيّاً من عوامل اختراقها». وفي المقابل، تفاخر المصدر بأنّ «الحال مختلفٌ لدينا في جيش الإسلام. هيكليتنا على درجة عالية من التنظيم، وثقتنا كبيرة بحكمة الشيخ زهران».

«القائد الأوحد»

في حقيقة الأمر، يُمثّل «جيش الإسلام» ظاهرةً فريدة بين معظم الجماعات المسلّحة في سوريا، لجهة ارتباطه بـ«قائد وحيد»، الأمر الذي يعتبره مصدر «جهادي» دليلاً دامغاً على أن «جماعة علوش منذ البدء كانت صنيعة الاستخبارات التي أشرفت ولا تزال على كل التفاصيل». المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ «علوش ليس سوى شخص يتولى نقل التعليمات.


كثرة الرؤوس
داخل «النصرة» كانت عاملاً أساسيّاً من عوامل اختراقها
وهو في أفضل الأحوال واجهةٌ لا أكثر». وإذا كان ولاء عناصر «جيش الإسلام» المطلق لعلّوش (حتى الآن) ظاهرةً لافتة، فإن اللافت أكثر هو تمكّنه من الحفاظ على مكانة «رجل الغوطة الأوّل». وهو أمرٌ يرتبط وفق مصادر عدّة بـ«الدعم المالي المفتوح الذي استمرّ السعوديون في إغداقه»، وهو دعم «لا يقتصر على ما يخصصُ لجيش الإسلام». وبمعنى آخر، فإن المموّلين حوّلوا رجُلهم إلى وكيلٍ شبه حصري في مناطق نفوذه، وحاجة اقتصاديّة أساسيّة لمعظم حملة السلاح في الغوطة. لكنّ «نقطة القوّة» هذه، تبدو في الوقت ذاته نقطة ضعفٍ أساسيّة لدى «جيش الإسلام». فغياب «قائده الأوحد» عن الساحة قد يجعلُه عرضةً للتهاوي بشكل سريعٍ، على نحو مشابه لـ«لواء التوحيد» الذي انتهى دوره الفعلي بمجرّد مقتل قائده العسكري عبد القادر الصّالح «حجّي مارع»، الأمر الذي يُفسّر الصرامة الأمنيّة العالية التي تحيط بزهران، والتي نجحت حتى الآن في إحاطة تحركاته بسريّة تامّة. وفي إيجاد مخارج ومداخل له بشكل مستمر، وعبر قنوات ووسائل غامضة تتطلّب قدرات أكبر من قدرات أي مجموعة محليّة بالتأكيد.

أين علّوش الآن؟

سؤال تمتنع مصادر «جيش الإسلام» عن الإجابة عنه بطبيعة الحال، لكن المصادر تؤكّد أن «كل تحركات الشيخ زهران تصب في مصلحة الثورة السورية وتخدم أهدافها». أهداف تصرّ المصادر على أنّها تتمحور حول «إسقاط النظام، من دون التردد في مواجهة أي عقبة تحول دون ذلك، وعلى رأس تلك العقبات الخوارج والغلاة». فهل تدخل المناوشات الأخيرة مع «جبهة النصرة» في هذا الإطار؟ يؤكد المصدر المرتبط بـ«جيش الإسلام» أن «لا استثناءات ولا تهاون. أولويتنا حل الخلاف ووأد الفتنة. لكن إذا ما بغى الطرف الآخر، وأيّاً يكن، فسيكون الردّ أكبر من التوقعات».




«داعش» يهاجم علوش... و«النصرة» ترد على اتهاماته

شنّت مجلّة «دابق» الذراع الصحافيّة الرسميّة لتنظيم «الدولة الإسلاميّة» هجوماً عنيفاً على زهران علوش. وفي مقال خُصص لمهاجمة معظم أعداء «داعش» في العدد العاشر من المجلة، اتهم التنظيم علوش بأنّه «أحد حلفاء تنظيم القاعدة وجبهة الجولاني»، وبتبنيه «مفاهيم تقوم عليها الدول القومية العلمانية»، مثل «الإيمان بحرية الأديان والديموقراطية وحق تقرير المصير». وإضافة إلى ذلك، أكدت «دابق» أن علوش «يلتقي مع قادة اليهود في إطار الحملة الصليبية التي تستهدف الإسلام، ويرفع شعارات الجاهلية العلمانية من أجل الحصول على المساعدات». بدورها، أصدرت «جبهة النصرة» بياناً ردّت فيه على «جيش الإسلام» بخصوص الخلافات الأخيرة. البيان الطويل الذي صدر يوم الثلاثاء اشتمل على إحدى عشرة نقطة فنّدت اتهامات «جيش الإسلام»، واتهمته في المقابل بـ«الاعتداءات والتضييق على أهالي الغوطة». وأكد البيان ما خلاصته أن «أهالي الغوطة هم الذين تصدّوا لمجموعات جيش الإسلام، وليس جنود النصرة».