ن.ع.

البارحة زرت مستشفى حيفا. الحقيقة أنني لم أكن أرغب أبداً بأن أزوره، ولمن لا يعرفه، فهو يقع داخل مخيّم برج البراجنة للعائدين الفلسطينيين. المستشفى شيءٌ مخيف، حقيقةً هو شيءٌ مخيف. لذلك لا يدخله زائرٌ إلا لأنّه لا يجد مكاناً آخر للذهاب إليه، باختصار هو مكانٌ تذهب إليه بقدميك، لأنه لا مكان آخر "يلمك".

أصرت أمي علي لأذهب إلى مستشفى حيفا. قالت إنه يمكنني أن أرى هناك طبيباً وأعرض عليه قدمي المتورمة لسبب ما. لم أكن لأوافق لولا أصرت، ولو أن المسافة بين المستشفى وبيتي لم تكن قصيرة للغاية. الرحلة إلى حيفا كما نقولها اختصاراً في المخيّم هي رحلةٌ على عجل. محيط المستشفى لا يعطيك أدنى التفات بأنك أمام مستشفى، بائع ملوخية هنا، سوق خضار شعبي هناك، ملحمة، عربة متنقلة لا أحد يعرف – أو يهتم- ماذا تبيع. باختصار المكان لا يوحي أبداً أنه "باحة" مستشفى، لكن كل ذلك لا يهم، من قال إن هذا مستشفى أصلاً؟
دخلت المستشفى بحثاً عن الطبيب المناوب. أمي ذهبت للبحث عنه، وأنا وقفت منتظرةً أن يحدث شيء. لم يحدث شيءٌ بالطبع، فبقيت منتظرةً أكثر، بعد دقائق عادت أمي بخفي حنين، كانت أمي متعبة من صعود الأدراج، فالمستشفى – لمن لا يعلم - ليس فيه "أصانصير" أو مصعد بالفصحى، لكن ما حاجة مستشفى كهذا للفصحى أو لـ"الأصانصير" أصلاً؟ الأمر غير مهمٍ أيضاً. البحث عن الطبيب استغرق أكثر من عشرين دقيقة، كان الرجل متعباً "الدنيا صيام زي ما انتو عارفين". كان لديه مريض سمعته يسأل عما إذا كانت العملية ضرورية وهل سيجريها له في المستشفى أم في عيادته الخاصة، فأجابه: "هي العملية أكيد لازم تعملها، بس بالنسبة لوين حسب... حسب الحكشة والفكشة"! لم أفهم ماذا يعني بالـ"حكشة" و الـ"فكشة"، التفت إلى أمي وسألتها، فـ"لكزتني" (لكشتني) . نظر الرجل/الطبيب إلي كثيراً، نظر إلى قدمي، وأخبرني بكل "برودة" أن قدمي غير متورمة، وبأن ما أشعر به هو ببساطة بعض التعب والإرهاق. فأخبرته أنه واضح –بالعين المجردة- أنها متورمة، فأكد لي بلغة العارف بالشيء، أن كل هذا تخيلات من قبلي، قائلاً: "إنتِ حاسيتها ورمانة، بس هي مش ورمانة بالحقيقة". أمي نظرت إلي، وما أن ابتعد قليلاً همست لي: "طيب انتِ عم تتخيلي، عال، واحنا اللي شايفين؟ ما بنعرف شو شايفين يعني؟!".
المهم، الرجل/الطبيب، الذي لا يبدو طبيباً، وبعد إلحاحي، أعطاني ورقةً كي أقوم بتحليلات علها تنفعني لتحديد ماهية مرضي، ولأي سبب قدمي متورمة (أو غير متورمة كما يعتقد هو). طبعاً هنا كنا أمام أكبر مشكلةٍ في التاريخ، قد يعتقد كثيرون أننا بمجرد إيجاد الطبيب، وفحصه لي، وكل هذه الأمور أن المشكلة انتهت، كلا، أبداً. لم تنتهِ المشكلة، بالعكس بدأت. أراد الطبيب أن يكتب لي ورقةً تفيد بأنني بحاجة لفحوصات مخبرية، ولم يجد قلماً. هنا بدأت رحلة البحث عن قلم، داخل مستشفى حيفا!
خرجنا من الغرفة ثلاثتنا، الرجل/الطبيب، أمي، وأنا. كلٌ في اتجاه نبحث عن قلم. سمعت إحدى الممرضات تخبره: "دكتور ما معاي قلم، أخدته مني سعاد مبارح وما رجعته". أمي من جهتها حاولت استغلال معارفها كي تحصل على قلم "عيرة" لدقائق وترجعه، لكن حتى هذا لم ينفع، "أنا قلمي فاضي ما بيكتب"، هكذا اعتذرت إحدى الممرضات هناك. أما أنا، صاحبة القدم المتورمة التي لم يقبل الطبيب أن يراها كذلك، فلم أمشِ كثيراً.
نظرت حولي، فتحت حقيبتي وأضاء قلم وجدته هناك في وجهي، فرفعته عالياً كمن "اكتشف" البارود: "لاقيت قلم دكتور... لاقيت قلم". طبعاً لم أستطع الركض ولا التهليل كلاعبي الكرة حينما يحرزون هدفاً لكنني حاولت. الدكتور، الذي عرفت اسمه ساعتها، هرع باتجاهي، كتب لي الفحوصات المطلوبة، ولم ينسَ أبداً أن يترك لي نصائح الدكتور المعتادة: "ما توكليش مقالي، وبلاهن حلويات رمضان".
قال ذلك بكل ما في الدنيا من صدق. لم أعرف ما فائدة هذه النصائح، ثم فعلياً هو قال لي بأنني "مجهَدة" أي لست مريضة، فلماذا أحتاج إلى حمية؟
نظرت أكثر إليه، كان يتحدث واثقاً من نفسه، كدت أقول له: "ما إنت قلتلي إني ما مالني اشي؟ شو مالك؟ عم تستهبلني؟"، لكنني فضلت الابتسام بوجهه، حملت نفسي وأمي معي، وهرعنا خارجاً.
ضوء المكان في الخارج كان أقوى، ليس كثيراً، لكنه أقوى، ابتسمت وأنا أخرج، فالخروج من "حيفا" إنجاز على ما يبدو.