كان مبالغاً فيه لدى كثيرين أن يكون وراء دعوة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى السعودية الأسبوع الماضي، جلسة «تهديد وتوبيخ»، حتى خرجت الصحافة الأميركية (نيويورك تايمز) وقالت إن الرجل هُدّد بالطلب منه تقديم استقالته في حال معارضته أي صيغة أميركية للتسوية، تماماً مثل الأسلوب الذي تعاملت به «مملكة الخير» مع رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، المحتجز لديها.


فخلف الحديث البروتوكولي عن «بحث قضايا المنطقة والعلاقات الثنائية... واستعراض ملف المصالحة»، كانت الكواليس تدار حول «الرؤية» السعودية لمستقبل المنطقة وموقع القضية الفلسطينية منها. فعين الرياض لا ترى في المشهد سوى تل أبيب، ولذلك كل شيء هو مجرد «هوامش» أمام تعزيز العلاقة بين السعودية وإسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الحصار على غزة أو تخريب الوضع الأمني في المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ومع أن موقف عباس كان الصمت تجاه عدد من المطالب، كما ينقل مقربون منه، فإنه في قضايا ثانية يتوافق فيها مع السعوديين، أبدى استعداده للعمل عليها. فهو من جهة يتقاطع معها، ومن جهة أخرى، يغطي بتلبيته هذه الطلبات ما لا يستطيع تلبيته أو تحمل تبعاته. وخلال أيام الزيارة التي أتت في ظل اعتقال الأمراء والوزراء واحتجاز الحريري (لم ينل عباس من طلب لقائه سوى مكالمتين قصيرتين معه)، أُبلغ الرجل بضرورة أن تؤدي المصالحة الفلسطينية إلى انتهاء حالة المقاومة العسكرية من غزة ضد إسرائيل (راجع العدد ٣٣١٨ في ٧ تشرين الثاني) . لكن الجديد الذي كشفت عنه مصادر فلسطينية، في حديث إلى «الأخبار»، هو أن الرياض لم تلقِ في يد «أبو مازن» العصا دون الجزرة، إذ أبلغته استعدادها لدفع رواتب موظفي حكومة غزة (شكلتها «حماس») السابقة، بعدما قال رئيس السلطة إن القطريين رفضوا تمويل أنصاف الرواتب لهم.
لكنّ الاستعداد السعودي لدفع الرواتب، أو أنصاف الرواتب ــ إلى أن تتم إعادة دمج الموظفين بما يشمل إحالة غالبية موظفي «حماس» على التقاعد ــ مشروطٌ بأن تعلن «حماس» تخليها عن المحور الذي تتزعمه إيران، على شاكلة مؤتمر صحافي، وأن تعلن فكاكها من حزب الله. ولما أخبر عباس أن ذلك غير ممكن بناءً على «التوجهات الحمساوية» الحالية، أبلغه السعوديون ضرورة التنسيق مع المصريين لينتزع معهم من الحركة تعهداً بهدنة طويلة المدى «لا تُطلق فيها رصاصة واحدة على إسرائيل»، وذلك في أقرب وقت ممكن.
في هذا الوقت، قالت حركة «فتح» إن قراراً صدر بتوصية من عباس، شدد فيه على ألّا يتحدث أحد من الحركة عن قضية المصالحة إلّا المخوّلون البحث في هذا الملف، وذلك بعدما اشتكت «حماس» للقاهرة من التحريض المتواصل من قيادات في «فتح» والسلطة على سلاح المقاومة، وبدورها طلبت «المخابرات العامة» المصرية من «أبو مازن» منع القيادات الفتحاوية من الحديث عن سلاح المقاومة، كما أبلغته أن قضية المقاومة وسلاحها «ملف تتولاه مصر وتتابعه بصورة حثيثة، وهي المعنية الأولى والأساسية به».


طلبت المخابرات المصرية من عباس تجنّب الحديث عن
سلاح المقاومة

في هذا الإطار، وربطاً بالاستنفار الإسرائيلي المستمر داخل فلسطين المحتلة وعلى حدود غزة، علمت «الأخبار» من مصادر فلسطينية أن القاهرة ــ ضمن الدعوات التي وجهتها للفصائل الفلسطينية للحضور الأسبوع المقبل في جلسات الحوار الشامل ــ دعت بصورة مباشرة قيادة حركة «الجهاد الإسلامي» على مستوى الأمين العام وثلاثة من قيادات الحركة. ووفق المعلومات، يحاول المصريون أن يصلوا إلى ضمان تجميد «الجهاد» الردّ على الاعتداء الإسرائيلي على نفق لها (أدى إلى استشهاد 12 مقاوماً واحتجاز 5 من جثامينهم) حتى إتمام المصالحة على الأقل، وذلك بعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بحق «الجهاد» و«حماس»، علماً بأن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن وساطة مصرية مباشرة عندما استُهدف النفق أدّت إلى احتواء التصعيد المتبادل.
بالعودة إلى ملف المصالحة، قالت مصادر سياسية فلسطينية إن «حماس» أبلغت المصريين نيتها تجنب المشاركة في المنافسة على رئاسة السلطة أو «منظمة التحرير»، لكنها تطالب بأن تُفصل هاتان الرئاستان بعضهما عن بعض وألّا يتولاهما شخص واحد (محمود عباس حالياً). كما نقلت تلك المصادر أن «فتح» أبلغت بدورها القاهرة أنها لا تريد تشكيل حكومة وحدة وطنية في المرحلة الجارية، بل توسيع حكومة «الوفاق الوطني» بتعديل وزاري ترشح فيه «حماس» خمسة وزراء «تكنوقراط» مقربين منها. لكن «فتح» ذهبت أبعد من ذلك وقدمت طلباً مسبقاً بألّا تدعم «حماس» أي مرشح في الرئاسة، وتحديداً إذا تمكن القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان من الترشح أو ترشيح أحد من تياره.
من جهة ثانية، وبينما كان من المتوقع أن يفتح معبر رفح أول من أمس، وفق تصريحات فتحاوية صدرت عندما تسلمت رام الله إدارة المعابر مطلع الشهر الجاري، قال مسؤول ملف المصالحة في «فتح»، عزام الأحمد، إن السلطة جاهزة لفتح المعبر، لكن «ظروفاً متعلقة بمصر أجّلت ذلك... كما أن حماس تراجعت عن اتفاق سابق بفتح المعبر وفق اتفاق 2005 في لعب على وتر معاناة المواطنين». وبجانب أن الفصائل كافة ــ عدا «فتح» ــ أصدرت قبل أسبوع بياناً ترفض فيه تشغيل المعبر طبقاً لذلك الاتفاق، الذي ينص على رقابة أوروبية وإسرائيلية، فإن أوساطاً داخل «حماس» ترى أن استمرار إغلاق المعبر دليل على «النية الفتحاوية بتخريب المصالحة».
وعلمت «الأخبار» أن موظفي السلطة الذين تسلّموا إدارة المعابر منذ أسبوعين لا يزالون يعملون من دون أسلحة، وأنهم أنجزوا منذ أيام فقط ربط المنظومة الإلكترونية للمعابر بـ«السيرفرات» الأساسية في الضفة. كما نقلت مصادر في «حماس» أن السلطة استغنت عن عدد من هؤلاء الموظفين وأعادتهم إلى بيوتهم (على أن يُطلبوا في مواقع أخرى لاحقاً) لأن الفحص الأمني أظهر أن لهم أقرباء من الدرجة الأولى أو الثانية على ارتباط مع «حماس» أو دحلان، وذلك عملاً بما يسمى «الفحص الأمني». كما قالت المصادر نفسها إن المقاومة تتابع بصورة حثيثة ما يدخل من الجانب الإسرائيلي إلى القطاع في ظل غياب منظومة فحص ومراقبة دقيقة في الجانب الفلسطيني الذي تديره السلطة، وخاصة مع تخوفها من استغلال العدو ذلك لإدخال تقنيات خاصة بالعملاء.
في غضون ذلك، أتمّت رام الله تقريباً تسلّم الوزارات المدنية كافة في غزة، فيما بقي الملف الأمني عالقاً، كما كان متوقعاً لدى «حماس»، وخاصة أن تقديرات الأخيرة تشير إلى أن رام الله تعمل بتريّث شديد في تسلّم مفاصل العمل، رغم وجود اقتناع تام لدى السلطة بأن «حماس» لن تعود إلى حكم غزة، لكنها في الوقت نفسه تفتقد الغطاء الإقليمي أو الدولي، وفق مصادر فتحاوية. هنا تضيف هذه المصادر أن «تسلّم غزة كلها ربما يأخذ ما بين عام إلى عام ونصف عام، وخاصة أن السلطة متأكدة من أن تيارات كبيرة في حماس لا تزال ترفض المصالحة» بأسلوب التسلّم الحالي.
إلى ذلك، وُجهت دعوة مصرية إلى محمد دحلان للحضور إلى القاهرة في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، بالتزامن مع قدوم وفود الفصائل، لكن «حماس» لن تلتقيه شخصياً، كما أكدت مصادر فيها، وإنما سيقتصر اللقاء على قياديين في تياره، وخاصة أن ذلك لن يزعج السلطة فحسب، بل تسبب في إشكالات سابقة للحركة مع كل من القطريين والأتراك عندما تبيّن لهم أن قياديين حمساويين جلسوا مع دحلان شخصياً، فيما كانوا قد أبلغوا الدوحة وأنقرة في وقت سابق أنهم جلسوا مع مدير مكتبه وممثلين عنه.




«حماس»: الموساد اغتال الزواري

اتهمت «حماس» إسرائيل، رسمياً، بالمسؤولية عن اغتيال العضو في ذراعها العسكرية «كتائب القسام» محمد الزواري، في تونس في كانون الأول الماضي. وقال عضو المكتب السياسي للحركة، محمد نزّال، في مؤتمر عقده في بيروت، إن «نتائج التحقيقات التي أجرتها (حماس) طوال الفترة الماضية أثبتت تورط إسرائيل في حادث الاغتيال»، مضيفاً أن جهاز «الموساد» نفذ العملية بالتعاون مع جهات أخرى (لم يحددها)، قدمت إليه «خدمات لوجستية».
وقال نزال إن 12 شخصاً مقسمين على ثلاث مجموعات ساهموا في تنفيذ العملية، وأشرف عليها ضابط في «الموساد» يدعى يوهان. وأوضح أن منفذَي الاغتيال المباشر كانا يحملان جوازَي سفر بوسني، وقتلا مهندس الطيران، الزواري، بواسطة مسدس مزوّد بكاتم للصوت.
وذكر أن الحركة قررت إعلان نتائج التحقيقات «نظراً إلى وقوع عدد من عمليات الاغتيال السابقة، لم يتم خلالها إجراء تحقيقات، رغم وجود يقين لدى الفلسطينيين بوقوف إسرائيل خلفها».
(الأناضول)