من حين إعلان ولي عهد السعودية محمد بن سلمان قرارَه مواصلة الحرب على اليمن وتوقّف المبادرة الجديدة التي كان مبعوث الأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ قد بدأ للتو التسويق له وحتى هذه اللحظة، لم يبادر النظام السعودي إلى الإفصاح عن خطته بشأن مواصلة الحرب على اليمن ورؤيته في وضع استراتيجية جديدة تتماشى والأهداف الجديدة التي رسمها بن سلمان بأنه لن يقبل بتحول أنصار الله إلى حزب الله آخر على حدوده الجنوبية.


بل شنّ حرباً خاسرة على لبنان واحتجز رئيس وزرائه سعد الحريري في الرياض، وأبقاه رهينة ضمن خطة ثبتت الأيام أنها غير مدروسة، الغاية منها إغراق لبنان في الفوضى وسلبه الاستقرار، في محاولة يائسة للضغط على حزب الله وإرغامه على التوقف عن التدخل في شؤون اليمن.
وكانت آخر الأوراق العسكرية السعودية على اليمن، ما نقلته مجلة «فورين بوليسي» في 12 تشرين الأول الماضي، عن أن الرياض نشرت قوات من الحرس الوطني لوقف زحف أنصار الله على الحدود، بوحدات عسكرية معزّزة بتشكيلات مروحية جديدة على طول الحدود، بتدريب وإمداد أميركي. ونقلت المجلة عن مسؤوليين أميركيين قولهم إن غارات «أنصار الله» الحدودية أفقدت السعوديين أعصابهم.
وبالفعل، نشر عدد من الألوية التابعة للحرس الوطني على الحدود، قبل إقالة وزير «الحرس» متعب بن عبد الله وإيداعه السجن مع 11 أميراً بارزاً وعدداً غير محدد من الأمراء الآخرين، ورجال أعمال، في ما سُمّي سعودياً ليلة «القبض على الفساد».
غير أن المهم في الأمر، أن الاستعانة بقوات الحرس الوطني وبتدريب وإمداد أميركي، بحسب «فورين بوليسي»، لم تُحدث أي تغيير في الموازين العسكرية على الأرض، وبقيت الحاميات السعودية عرضة للإغارات والقنص من قبل الجيش واللجان الشعبية اليمنية. مع التأكيد أن قوات الحرس الوطني شاركت في هجمات متكررة مع بقية التشكيلات السعودية على المواقع والأراضي السعودية، التي تسيطر عليها القوات اليمنية، ولكن من دون جدوى. وحالياً، تعمد القوى السعودية، بما فيها قوات الحرس الوطني، إلى بناء التحصينات الدفاعية، خشية أن تتخذ القيادة اليمنية قراراً بتوسعة هجماتها لتطاول مديات أكبر في العمق السعودي.
وقد عمدت الرياض، في الآونة الأخيرة، في إطار ضغطها على الشعب اليمني، بعدما فشلت الخيارات العسكرية، إلى الإيغال في قتل المدنيين بوحشية، في إطار سياسة العقاب الجماعي، وذلك لتدفيعهم فاتورة صمودهم، ولا سيما في صنعاء. والخط الآخر هو القرار السعودي بإغلاق المنافذ البرية والجوية والبحرية، حتى للمساعدات الإنسانية العاجلة، ورغم أن مندوب السعودية في الأمم المتحدة أعلن رفع الحصار وفتح المعابر، إلا أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» أعلنت أن السعودية تفرض شروطاً لفتح المنافذ لا يمكن القبول بها.
عقم الخيارات العسكرية، وفشل سياسة العقاب الجماعي بحق الشعب اليمني، أجبرتا الرياض على البحث عن عوامل إضافية يمكن استخدامها في حربها على اليمن، هي بالأصل «عوامل جانبية مساعدة»، واستهدافها وتسليط الضوء تجاهها وحتى شنّ الحرب عليها إن أمكن. غير أن الحقيقة الدامغة أن السعودية تهرب إلى الأمام لتيقنها من استعصاء الخيار العسكري.
في غضون ذلك، يأتي استهداف لبنان الذي نجح في استيعاب المخطط السعودي، ليضيّع على الرياض فرصة استغلال الورقة اللبنانية في الحرب الدائرة على اليمن. وبدل أن يشكل المخطط السعودي ورقة ضغط بوجه لبنان، استطاعت بيروت رمي الكرة في الملعب السعودي، وتحويل الضغط على الرياض من جميع الدول الإقليمية والدولية (ما عدا إسرائيل والإمارات والبحرين)، إلى عزلة لم تشهدها في تاريخها، وأزمة جديدة تضاف إلى أزماتها الداخلية والاقتصادية والخارجية.
في موازاة حربها المعلنة على لبنان، كانت الرياض تشنّ حرباً خفية على سلطنة عمان، متهمة مسقط بتوفير معبر بديل لليمنيين الراغبين في الخروج من بلدهم أو الدخول إليه. واتهمت السلطنة، أيضاً، بمقاربتها المختلفة عن التحالف للحرب على اليمن واحتفاظها بعلاقات طيبة مع «أنصار الله». وفي هذا الإطار، أرسلت الرياض قوة عسكرية (محدودة) إلى مطار الغيضة في محافظة المهرة المحاذية للحدود مع سلطنة عمان، بحجة الاستعداد لفتحه أمام الرحلات المدنية.
بالإضافة إلى ذلك، عمدت «الشرعية» الموالية للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، الموجود في منفاه في الرياض، إلى عملية تبديل للألوية العسكرية المختلطة بعناصر شمالية وجنوبية. ونُشرَت على الحدود مع السلطنة في رسالة قوية لتهديد الفناء العماني، إذ تشكل محافظة المهرة أمناً قومياً بالنسبة إلى مسقط. وقد ترافقت الخطوات السعودية تجاه سلطنة عمان، مع حملة إعلامية سعودية وإماراتية تتهم مسقط بالتزام الأجندة الإيرانية على حساب المصالح الخليجية، مع اللازمة المرافقة لأصحاب الرأي المخالف للرياض وأبو ظبي بشق الصف الخليجي، وإضعاف عزيمته.
من المفيد التذكير بأن ابن سلمان يرى أنه من دون تحقيق النصر في الحرب على اليمن، تبقى زعامته ناقصة، وكذلك فإن استمرارها من دون أفق واضح يؤرق رأسه.
وقد ثبت للصديق والعدو أن النظام السعودي لم يستطع تحقيق أيٍّ من الأهداف التي شن الحرب على أساسها. كذلك هو غير قادر على وضع استراتيجية جديدة تحقق له الفوز، أو حتى استراتيجية خروج مشرّف. لذا، ذهب للبحث عن وسائل «ضغط جانبية» يمكن بحسب اعتقاده، أن تشكّل أوراقاً يستخدمها لإجبار صنعاء على التنازل. وقد ذهب بعيداً في التصعيد السياسي والإعلامي في اتجاه إيران، متهماً إياها بتوفير مستلزمات الصمود لأنصار الله وتزويدها بالإمكانات الصاروخية والعسكرية الأخرى. غير أن ابن سلمان يتحاشى الاصطدام المباشر مع طهران، لتأكده من عدم وجود أي عنصر محفز للنجاح في الحرب معها.
لم تتوقف الرياض عن التعمق في دراسة «العوامل الجانبية» المساعدة في صمود الشعب اليمني، والعمل على تفعيلها بخطوات تفيدها في الهروب إلى الأمام عن مأزقها الحقيقي والمستعصي في اليمن، وهي لن توفر جهداً لتقديم الحجج والذرائع لصمود الشعب اليمني، عازية السبب وراء أسطورة صموده إلى تلك العوامل الجانبية. فالعقلية السعودية المبنية على الاستعلاء غير قادرة على رؤية صحوة الشعوب، ولا سيما الشعب اليمني وقراره في استرداد سيادته الوطنية وقدرته على تحقيق ذلك، مهما غلت التضحيات.