القاهرة | بعد أيام قليلة على العملية الإرهابية الصادمة التي استهدفت مسجداً في بلدة الروضة السيناوية، وراح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تعهده بإلحاق الهزيمة بالإرهابيين، ولكن مع تحديد سقف زمني، هذه المرة، حيث كلّف رئيس أركان الجيش المصري ووزير الداخلية إعادة الأمن والاستقرار إلى سيناء خلال ثلاثة أشهر.


هذا التكليف، الذي جاء في كلمة ألقاها لمناسبة المولد النبوي، تضمن تلميحاً إلى أن إقالة رئيس الأركان السابق اللواء محمود حجازي، قبل بضعة أسابيع، سببها التقصير في الأوضاع في سيناء، خاصة أن المواجهات المستمرة ضد المجموعات الإرهابية منذ أواسط عام 2013، لم تحقق الحسم المطلوب، وإن كانت تلك العمليات الإرهابية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، إلى حين وقوع مذبحة الروضة.
وتفرض قوات الجيش والشرطة حصاراً وتفتيشاً أمنياً مشدداً على مداخل شمال سيناء ومخارجه، وتحديداً في المنطقة الممتدة من بئر العبد وحتى رفح، التي تتركز فيها غالبية العمليات، فيما لا يتوقع أن تثمر التوجيهات الجديدة التي صدرت بعد المذبحة، شيئاً مختلفاً على أرض الواقع، مع استمرار المعركة منذ إطاحة حكم «الإخوان المسلمين».


نشر وثائق تفيد بأن مبارك وافق عام 1983 على طلب بتوطين فلسطينيين


وقال السيسي: «أنتهز هذه الفرصة وأُلزم الفريق محمد فريد حجازي (رئيس أركان الجيش) أمامكم وأمام الشعب المصري كله: أنت مسؤول خلال ثلاثة أشهر عن استعادة الأمن والاستقرار في سيناء، أنت ووزارة الداخلية... خلال ثلاثة أشهر، (يجب أن) تستعيد مصر، وبجهدكم وتضحياتكم، أنتم والشرطة المدنية، الاستقرار والأمن في سيناء»، طالباً استخدام «القوة الغاشمة» ضد المجموعات الإرهابية، وهي العبارة التي سبق أن استخدمها في الكلمة المتلفزة التي ألقاها، مساء الجمعة الماضي، بعد ساعات على مجزرة الروضة.
وذكّر بأنّ الدولة تحارب الإرهاب منذ سنوات، لافتاً إلى أن «حشد القوة الأمنية، سواء من قبل وزارة الداخلية أو القوات المسلحة، مكلف مادياً بالنسبة إلى الدولة المصرية… ولكننا تحركنا لدرجة أن الناس تصوروا أنه لم تعد هناك حرب في سيناء، فيما رحنا نعمل كما لو أن الحرب غير قائمة».
وأكد أن دعوته إلى تجديد الخطاب الديني «هدفها تنقيته من الأفكار المغلوطة التي يستغلها البعض لتضليل أبنائنا واجتذابهم إلى طريق الظلام والتدمير»، مشدداً على أن «تنوير العقول وترسيخ المفاهيم الاجتماعية والثقافية اللازمة مهمة المجتمع بشتى أبنائه وكتابه ومثقفيه».
وفي سياق متصل بالوضع في سيناء، كشفت شبكة «بي بي سي»، نقلاً عن وثائق بريطانية رُفعَت السرية عنها بموجب قانون حرية المعلومات، النقاب عن أن الرئيس المخلوع حسني مبارك وافق في عام 1983 على طلب أميركي لتوطين فلسطينيين في مصر، لكنه اشترط في المقابل التوصل إلى اتفاق بشأن «إطار عمل لتسوية الصراع العربي ــ الإسرائيلي».
وأشارت الوثائق إلى أن مبارك، الذي اختير رئيساً للبلاد قبل أقل من عامين آنذاك، كشف عن الطلب الأميركي وموقفه منه خلال مباحثاته مع رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، خلال زيارته للندن في طريق عودته من واشنطن في شباط عام 1983، ولقائه الرئيس الأميركي رونالد ريغن، حيث سعى مبارك لإقناع الولايات المتحدة وإسرائيل بقبول إنشاء كيان فلسطيني في إطار كونفدرالية مع الأردن، تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة مستقبلاً.
وفي مباحثاته مع تاتشر، في الثاني من شباط عام 1983، طرح مبارك تصوره بشأن التسوية في الشرق الأوسط.
وبحسب محضر جلسة المباحثات، قال مبارك إنه «عندما طُلب منه في وقت سابق الموافقة على استقبال مصر لفلسطينيين من لبنان، فإنه أبلغ الولايات المتحدة أنه يمكن أن يفعل ذلك فقط كجزء من إطار عمل شامل للحل، مبدياً استعداده لاستقبال مصر الفلسطينيين من لبنان، بالرغم من إدراكه للمخاطر التي تمثلها هذه الخطوة».
ونقل محضر المباحثات عن مبارك قوله إنه أبلغ المبعوث الأميركي إلى لبنان فيليب حبيب بأنه «من خلال دفع الفلسطينيين إلى مغادرة لبنان، تخاطر الولايات المتحدة بإثارة عشرات المشاكل الصعبة في دول أخرى، وهو التحذير الذي ردت عليه رئيسة الحكومة البريطانية بالتأكيد أنه حتى إقامة دولة فلسطينية لا يمكن أن تؤدي (أية جهود) إلى استيعاب كل فلسطينيي الشتات».
وردّ وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك بطرس غالي، قائلاً إن «الفلسطينيين سيكون لديهم حينئذ، مع ذلك، جوازات سفر خاصة بهم، وسيتخذون مواقف مختلفة، ولا يجب أن يكون لدينا في الواقع فقط دولة إسرائيلية وشتات يهودي، بل دولة فلسطينية صغيرة وشتات فلسطيني»، فيما لم يتناول الاجتماع أوضاع بقية اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين.
وعندما سجل السكرتير الخاص لرئيسة الوزراء البريطانية محضر لقاء مبارك وتاتشر، شدد على ألا يُوزع إلا على نطاق ضيق للغاية.
لكن مبارك ردّ على وثائق «بي بي سي» ببيان صحافي أصدره أمس، وأكد فيه أنه إبان الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، كانت الأمور تسير في اتجاه اشتعال الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وكان ذلك بعد أشهر قليلة من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء. وأضاف أنه «في ظل هذا العدوان واجتياحه لبلد عربي ووصول قواته إلى بيروت، اتخذت قراري بسحب السفير المصري من إسرائيل، وعملت على تأمين خروج الفلسطينيين المحاصرين في بيروت».
وتابع: «بالفعل، قامت مصر بتأمين خروج الفلسطينيين، وعلى رأسهم ياسر عرفات، وتم مرورهم من قناة السويس متجهين الى اليمن، وقد استقبل عرفات لدى توقف الباخرة المقلة له ورفاقه فى قناة السويس، مؤكداً وقوف مصر مع الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه المشروعة».
وأكد أن «لا صحة إطلاقاً لأية مزاعم عن قبول مصر أو قبولي لتوطين فلسطينيين في مصر، وتحديداً الموجودين منهم في لبنان في ذلك الوقت»، لافتاً إلى أنه «كانت هناك مساعٍ من بعض الأطراف لإقناعه بتوطين بعض الفلسطينيين الموجودين في لبنان، في ذلك الوقت، على الأراضي المصرية، وهو ما رفضه بشكل قاطع».
وشدد مبارك، في بيانه، على أنه رفض كل المحاولات والمساعي اللاحقة، إمّا لتوطين فلسطينيين في مصر، أو مجرد التفكير في ما طرح عليه من قبل إسرائيل، وتحديداً في عام 2010، لتوطين الفلسطينيين في جزء من أراضي سيناء، من خلال مقترح لتبادل الأراضي كان قد ذكره له رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، حيث أبدى «عدم استعداده حتى للاستماع إلى أية أطروحات في هذا الإطار مجدداً».