«يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟» (إنجيل لوقا 22: 48)، هكذا خاطب يسوع المسيح، تلميذه يهوذا الإسخريوطي، الذي تآمر في قصر رئيس الكهنة، قيافا، لتسليمه. القصر الذي كان قائماً فوق تلة بالقرب من بلدة الطور، ويعرف باسم «جبل المشورة الفاسدة»، سيتحول قريباً إلى مستوطنة تضم وحدات سكنية فخمة. أما المسؤول عن تحويل الجبل إلى مشروع استيطاني، فهي البطريركية اليونانية!


هذا المشروع أقرّته «اللجنة المحلية للتخطيط والبناء» التابعة لبلدية الاحتلال في القدس لإنشاء مستوطنة تضم وحدات سكنية فخمة، وذلك فوق موقع تاريخي ذي أهمية كبيرة بالنسبة إلى المسيحيين، والمسلمين، واليهود. فالموقع هو تلة بالقرب من بلدة الطور في مدينة القدس المحتلة، يعرف باسم «جبل المشورة الفاسدة»، أي المكان (حسب بعض الروايات) الذي تشاور فيه يهوذا الإسخريوطي مع رئيس الكهنة، قيافا، للتآمر على المسيح وتسليمه.
الموقع ليس تاريخاً فحسب، بل هو من الأماكن الأثرية الجميلة، ومن شأن المخطط الاستيطاني المزمع إنشاؤه أن يشوه مشهد المدينة، وخصوصاً البلدة العتيقة فيها، الأمر الذي أثار غضب المقدسيين، والمسيحيين الفلسطينيين من أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين المحتلة، الذين وجهوا نقداً لاذعاً للبطريركية اليونانية التي باعت الموقع لمستثمرين إسرائيليين.
وتضم التلة أيضاً بقايا أثرية، يُقال إنها من «فترة الهيكل الثاني»، وأخرى من الحقبة البيزنطية، فضلاً عن الدير الصامد منذ الحرب العالمية الثانية. بالإضافة إلى ذلك، يطل التل على الحوض التاريخي للقدس، وهو منطقة مفتوحة حيث تنمو الأشجار بكثرة، وتعتبر أراضيه الأغلى على الإطلاق داخل المدينة المحتلة.
وفق صحيفة «هآرتس»، بدأت القصة عام 2013 عندما باع بطريرك المدينة المقدسة وسائر فلسطين وسوريا العربية والأردن وقانا الجليل، ثيوفيلوس الثالث، الموقع لشركة يملكها مستثمرون يهود: الأول هو رجل الأعمال، مايكل شتاينهرت، الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، والثاني رجل الأعمال اليهودي البريطاني، دافيد سوفر. وكانت قيمة الصفقة 26.8 مليون شيقل ومليوني دولار.
ووفق وثائق المشروع، سيُقام مبنيان سكنيان كبيران وثلاثة مبانٍ صغيرة، وبالمجمل 61 شقة سكنية فخمة. وكان من المزمع أن تتألف المباني من ست طبقات، لكن المستثمرين وافقوا على طلب «سلطة التخطيط القطرية» أن تتألف من أربع طبقات فقط. كما يضم المشروع حديقة عامة ستقام على نصف مساحة التلة.
المعترضون على المشروع يقولون إن من شأنه أن يشوه المنظر الطبيعي، وأن يؤثر سلباً في حركة المرور في المنطقة.


نظّمت الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين احتجاجات ضد البطريرك


وكما نقلت «هآرتس» عن مستوطنين يسكنون على مقربة من الموقع، فإن «التلة تقع ضمن مكان استراتيجي، وكان من الجدير الحفاظ عليه»، وطالبوا بأن «يحافظ المشروع المزمع إنشاؤه على حرمة المكان الفريد مع إطلالته على كل موقع في القدس».
كذلك، عبّر عضو «المجلس المركزي الأرثوذكسي» في فلسطين المحتلة، عدي فغالي، عن سخطه، قائلاً إن «البطريرك مس بمكان مقدس... لا أفهم كيف يبيعون أرضاً كهذه فيها بقايا أثرية نادرة».
في المقابل، ادعت البطريركية اليونانية أنها اضطرت إلى بيع الموقع، بعدما أجبرت، بعد انهيار اتفاقات سابقة (في سنوات الـ 70)، وإلا «عليها دفع مبلغ بقيمة 9 ملايين دولار».
في غضون ذلك، قال مصدر كنسي إن البطريرك الحالي عين في منصبه عام 2005، وقد «هددت دائرة الإجراء ببيع ألف دونم قرب دير مار إلياس جنوبي القدس في حال لم يباع التل».
بَيْع الموقع الفريد من نوعه ليس إلا واحداً من بين مواقع كثيرة باعها ثيوفيلوس الثالث خلال العقد الأخير، وقد كشف النقاب عنها أخيراً. إثر ذلك، نفذت الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين المحتلة عدداً من الاحتجاجات كان آخرها في مدينتي حيفا واللد، موجهين غضبهم ضد البطريرك. وقد وصفه المحتجون بـ«الشيطان»، هاتفين: «كنيستنا عربية يا تجار الوقفية، وكنيستنا كنيسة أحرار وليست للفاسد والتجار».
أما البطريرك، فادعى أن بيع هذه الأوقاف «ينشط اقتصاد الكنيسة»، وأن «المشروع الاستيطاني الذي سيقام على التلة بالتحديد سيضم نزلاً ومركزاً للاجتماعات الكنسية، بموجب الاتفاق بينه وبين المستثمرين»، علماً بأن وثائق المشروع تؤكد أن الهدف هو إنشاء وحدات سكنية فقط.
ووفق مهندس المشروع، مايكل فيند، فإن «المشروع سيقام على منطقة باتت خاصة، وإن المستثمرين وافقا على تخصيص نصف المساحة للجمهور، كمنطقة عامة».
من جهة ثانية، ادعت بلدية الاحتلال في القدس أن «المشروع سيحول ستة دونمات من مساحة الموقع إلى أراضٍ عامة مفتوحة، وأربعة دونمات إلى أراضٍ للبناء»، مضيفة أن «المخطط وضع بالتنسيق مع مكتب التخطيط اللوائي وسلطة الآثار، ويتناسب مع سياسة التخطيط في القدس».