دمشق | ما إن اندلعت شرارة الأحداث عام 2011، حتى هرع الكثيرون إلى نصب حواجزهم وكمائنهم على الطرق الرئيسية الواصلة بين المناطق، والسطو على السيارات وسرقة المسافرين وخطفهم والاعتداء عليهم. في البداية لم يكن الأمر يخرج عن نطاق «الفوضى الأمنية» المصاحبة للأزمات في أي بلد، لكن مع انتشار السلاح تحول استهداف الطرق المركزية والدولية إلى ركيزة أساسية في تنفيذ الاستراتيجية الرامية إلى تقطيع أوصال البلاد وعزلها بعضها عن بعض، وذلك تحقيقاً لهدفين مغلفين بأعمال النهب والسرقة والابتزاز: الأول اقتصادي يتعلق بالحيلولة دون نقل وانسياب السلع والمنتجات والمحاصيل بين المحافظات لإضعاف اقتصاد الدولة والتسبب لاحقاً في انهياره، بغض النظر عن تأثيرات ذلك على معيشة المواطنين وحياتهم، والثاني عسكري يتمثل في السعي لقطع طرق الإمداد والتموين وتحرك الوحدات العسكرية.


وتأكيداً لما سبق، يجزم وزير النقل السابق والمستشار في «الاسكوا» الدكتور يعرب بدر بأن «إحدى أهم النتائج للنزاع في سوريا تمثلت في تقطيع الأوصال بين العديد من المحافظات السورية، ليس بسبب تضرر البنية التحتية للطرق الرئيسية أو للسكك، وإنما بسبب تردي ظروف الأمان على محاور النقل الداخلية في سوريا من طرق رئيسية وسكك حديدية، ووقوع أجزائها تحت سيطرة مجموعات مسلحة غالباً غير محددة الهوية وغير ثابتة التوجهات أو الولاءات».
حصيلة تطبيق هذه الاستراتيجية بعد أربع سنوات ونيف، وما سببته من انعدام للأمن وشيوع للحواجز المختلفة، كانت كارثية لجهة الخسائر البشرية والمادية التي مني بها السوريون، بغض النظر عن مواقفهم السياسية، إلا أن تلك الخسائر لم تكن لتوقف «شريان الحياة» بين المحافظات. فاليوم مثلاً، لا يزال أسطول النقل البري يحافظ على حركته المكوكية بين المحافظات، يربطها بعضها ببعض ويؤمن احتياجاتها من السلع والمواد وينقل إنتاجها، رغم المخاطر العالية. وبحسب رئيس اتحاد شركات النقل الدولي صالح كيشور، فإن هناك «نحو 20 ألف سيارة شاحنة لا تزال تعمل حالياً على الطرق المركزية والدولية ومع بعض دول الجوار»، مشيراً في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن «عديد الأسطول من السيارات الشاحنة ونصف الشاحنة قبل الأزمة وصل إلى أكثر من 80 ألف سيارة، تعرض ما بين 40 ــ 50% منه للسرقة والتخريب والتدمير خلال سنوات الأزمة»، وهو ما انعكس سلباً على معدل حركة نقل البضائع والسلع بين مناطق البلاد ومع الدول المجاورة، وعلى تكلفة النقل التي ساهمت عوامل أخرى في ارتفاعها لعدة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.


هناك من فقد 40
سيارة شاحنة لا يقل
ثمن الواحدة منها عن 130 ألف دولار


وتظهر القصص الفردية لمالكي شركات النقل والشاحنات فداحة الخسائر التي تعرض لها هذا القطاع عموماً والمستثمرين فيه خاصة، فهناك من فقد 40 ــ 50 سيارة شاحنة لا يقل ثمن الواحدة منها عن 130 ــ 150 ألف دولار، كذلك فقد الكثير من السائقين والمرافقين للشاحنات أرواحهم نتيجة الاشتباكات والمعارك وأعمال السطو. وتكفي الإشارة مثلاً إلى ما حل بالسيارات الشاحنة وحمولاتها في معبر نصيب الحدودي عندما سيطرت عليه المجموعات المسلحة في آذار الماضي، حيث تقدر بعض الأوساط قيمة البضائع الموجودة آنذاك بأكثر من 10 مليارات ليرة تم نهبها.

أرقام فلكية

كل ذلك جعل من تنقل الشاحنات بين المحافظات رحلة تبدو في أغلب الأحيان محفوفة بالمخاطر، الأمر الذي حثّ شركات النقل ومالكي الشاحنات على اتباع سياسة جديدة تقوم على دراسة مخاطر الطرق والسبل الممكنة لتخفيف تلك المخاطر، سواء عبر إيجاد طرق بديلة أو دفع رشاوى و«رسوم حماية» لجهات محلية أو مسلحة، وهذا ما يفسر استمرار بعض شاحنات الأسطول السوري بالتوجه نحو مناطق ساخنة أو تحت سيطرة تنظيمات مسلحة، وكذلك الارتفاع الهائل في أجور النقل التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. وبحسب ما يكشفه صالح كيشور، فإن «أجرة نقل الشاحنة من دمشق إلى حلب، والتي كانت قبل الأزمة لا تتجاوز 15 ألف ليرة، تصل اليوم إلى نحو 500 ألف ليرة، أي إنها زادت بنحو 33 ضعفاً، ومن حلب إلى اللاذقية نحو 300 ألف ليرة، ومن دمشق إلى اللاذقية نحو 250 ألف ليرة». لكن هذا الارتفاع ليس سببه فقط زيادة معدلات الخطر والنفقات غير المنظورة التي تدفع إلى تأمين سلامة وصول السيارات والبضائع وطول مسافة الطرق البديلة، فهناك أسباب أخرى وإن كانت مساهمتها أقل، إذ وفق ما يؤكده عضو المكتب التنفيذي وأمين الشؤون الاقتصادية في اتحاد العمال عمر حورية، فإن قطاع النقل البري تأثر عميقاً بالمتغيرات التي أنتجتها سنوات الأزمة من قبيل «ارتفاع أسعار إطارات السيارات بنسبة تتجاوز أربعة أضعاف، الوضع نفسه بالنسبة إلى القطع التبديلية غير المتوافرة، والتي زادت أسعارها بنسبة سبعة أضعاف». ويضيف في حديثه إلى «الأخبار» أن «أسعار المحروقات زادت كذلك الأمر بنسبة تصل إلى أربعة أضعاف، ومع عدم توافرها حدثت زيادة أخرى غير قانونية من قبل أصحاب المحطات، ما شكل عبئاً مادياً كبيراً على مالكي السيارات».
ولا يبتعد الدكتور بدر في دراسته المقدمة إلى «الإسكوا» عن هذا الطرح، إذ يبين في معرض حديثه عن تأثيرات الحرب على حركة النقل أن «تكرار حالات خطف الأفراد والتعدي على قوافل الشاحنات أديا إلى حصول تراجع كبير في حركة الانتقال بين المدن، ومن ناحية أخرى فقد أدى ارتفاع معدل المخاطرة عند تنفيذ الرحلات إلى ارتفاع كبير في أجور نقل الأفراد والبضائع، الأمر الذي أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع في أسواق استهلاكها، بنتيجة ظهور كلف جانبية زائدة تدفع إلى سلامة تأمين وصول الشحنات، والتي وصلت نسبتها في بعض الحالات إلى 40% من إجمالي أجور النقل»، فيما يقدرها كيشور بما بين 40 ــ 50% في أغلب الأحيان. وفي السياق نفسه، تكشف بيانات المكتب المركزي للإحصاء أن التضخم في قطاع النقل وصل لغاية شهر شباط الماضي إلى نحو 370%.
ويتضح تأثير التكلفة المرتفعة للنقل في الأسعار النهائية للمستهلك من خلال مقارنة بسيطة بين أسعار المنتج على باب المصنع أو الحقل، وأسعاره عند طرحه في الأسواق داخل المحافظة أو في المحافظات والمدن الأخرى، وأكثر ما تتبدى صورة ذلك في المحاصيل والمنتجات الزراعية والغذائية.
في ضوء ذلك، لا يجد رئيس اتحاد شركات النقل الدولي مخرجاً لتعويض هذه الخسائر وإعادة ترميم الأسطول السوري من الشاحنات سوى «برفع العمر الزمني للسيارات المستوردة لتغدو عشر سنوات»، تماماً كما هي حال الإجراءات الناظمة للاستيراد في دول عربية ومجاورة استطاعت أن تبني أسطولاً كبيراً من السيارات الشاحنة ظفر بنسبة كبيرة من تجارة الترانزيت المنقولة داخلياً وإقليمياً.