القاهرة | بإعلان الفريق أحمد شفيق، وصيف الرئيس في انتخابات عام 2012، اعتزامه خوض الانتخابات مجدداً في عام 2018، تبدو فرصه أكبر في منافسة السيسي في السباق الانتخابي المقبل. تلك المنافسة قد تجعل من الانتخابات المصرية انتخابات حقيقية إذا جرت الأمور في سياقها الطبيعي. وخلافاً للحقوقي خالد علي، الذي أعلن بدوره نيته الترشح لرئاسيات 2019، ورئيس «حزب الإصلاح والتنمية» محمد أنور السادات الذي قرر خوض الانتخابات ويُعدّ برنامجاً انتخابياً خلال الفترة الحالية، يبدو شفيق الأقرب لملاحقة السيسي في المنافسة، بالنظر إلى خلفيته العسكرية والقاعدة التي كوّنها جماهيرياً في انتخابات عام 2012.


ومما لا شك فيه، أنّ شفيق ــ المقيم في الإمارات منذ 66 شهراً بعد خروجه هرباً من الملاحقات القضائية التي جرت خلال حكم «الإخوان المسلمين»، وفتحت فيها ملفات فساد لفترة عمله وزيراً للطيران، قبل أن تحفظ لعدم كفاية الأدلة ــ يملك قاعدة شعبية لا يستهان بها. صحيح أن وجوده في مواجهة السيسي سيجعل كلاً منهما يأخذ من قاعدة الآخر في ظل تشابه المؤيدين، إلا أن فرص الفريق تبقى «نظرياً» أعلى من فرص المشير، وإن كان الأخير لا يزال يتصدر استطلاعات الرأي، ويحظى بنسبة تأييد في الشارع تتجاوز الخمسين في المئة، على العكس من الفريق الذي ظهر واضحاً انقلاب من مؤيديه الداعمين للسيسي عليه، فور إعلان اعتزامه الترشح، ومن بينهم فنانون وإعلاميون وشخصيات عامة.
ويبدو موقف النخبة التي أيدت شفيق في مواجهة مرشح «الإخوان» في انتخابات عام 2012، الرئيس الإسلامي محمد مرسي، مفهوماً بنحو كبير، فمصلحتها في الوقت الحالي هي مع السيسي ونظامه، وهذه النخبة كانت الداعم الأكبر لنظام مبارك حتى إجباره على التنحي إبان «ثورة 25 يناير»، كذلك إن التصريحات العلنية حال مساندتهم للفريق قد تسبب لهم الكثير من المشكلات، سواء في العمل أو التضييق الأمني وتصيد الأخطاء لهم.
الموقف ذاته ينطبق على رجال الأعمال الموجودين في الداخل. صحيح أن انتخابات عام 2012 شهدت انقسام رجال الأعمال بين مختلف المرشحين، لكن من غير المتوقع أن يجازف كثير منهم بدعم شفيق في الانتخابات، وإعلان هذا التوجه علناً، خصوصاً أن كثيراً منهم لديه مشاكل متعلقة بتسوية أوضاع شركاته مع الحكومة، أو مشاكل مع الضرائب… وتلك حال غالبية رجال الأعمال الذين دخلوا المجال السياسي، سواء بتأييد السيسي في المناسبات والحشد لذلك، أو من خلال وسائلهم الإعلامية المختلفة.
ولكن ما سبق لا يعني بالضرورة أن مواقف النخب ستبقى ثابتة، خصوصاً أن الأمر يتعلق بشبكة مصالح هشة، قد تنقلب معها الخيارات رأساً على عقب في لحظات حاسمة. ومن ناحية أخرى، فإنّ النخبة الإعلامية والسياسية، وبحسب ما أظهرت السنوات السابقة، ليست ثابتة في مواقفها، فمعظمها كان من معسكر مبارك، ثم انقلب عليه بعد الثورة، حتى بلغ الأمر بالبعض تأييد «الإخوان» الى أن اختلّت الموازين في وقت لاحق.
وبالنسبة إلى النخبة الاقتصادية، فإن بعض رموزها يعيش في حالة توجس دائم من السياسات الاقتصادية للسيسي، وبعض مواقفه المثيرة للجدل بين رجال الأعمال والمستثمرين الداخليين، وكثير منهم يشكو تفرّده باتخاذ القرارات المرتبطة بالسياسات الاقتصادية، التي أنتجت العديد من الأزمات خلال فترة حكمه.
وربما لتلك الأسباب، يتمسك شفيق بحلم الوصول إلى قصر الاتحادية، وربما هي التي ترسم وتيرة خطواته البطيئة وتصريحاته المتأنية عن الوضع في مصر، خصوصاً العامين الماضيين، برغم استمرار السيسي في اتخاذ مزيد من الإجراءات الاقتصادية الصعبة لخفض عجز الموازنة، وخفض سعر صرف العملة بأكثر من 100 في المئة من قيمتها، وهي أمور لم يعلق عليها شفيق باستفاضة في لقاءاته القليلة.
وبالرغم من أن شفيق دعم السيسي في انتخابات عام 2014، لكن ثمة مواقف معارضة لأخطاء حكمه برزت أخيراً، وإن جاء بعضها متناقضاً، كما هي الحال في موقف الفريق من نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، فبعدما أيد في البداية الموقف المصري، عاد وتراجع عنه وقدم نقداً حاداً للسيسي ونظامه عند تسليم الجزر في نهاية حزيران الماضي.
لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، هناك فقط مصالح مشتركة. هذه المقولة يؤمن بها الفريق شفيق منذ فترة طويلة، وقد تكون السبب في قدرته على الوصول إلى حكم المحروسة، إذا ما نجح في تحريك الطبقة الغاضبة تجاه حكم السيسي، وجيّر أصواتها لمصلحته في صناديق الاقتراع.
في مقدمة هذه الطبقة، يأتي الإسلاميون الذين قاموا بـ«غزوة الصناديق» في استفتاء عام 2011، وتمكنوا من إيصال محمد مرسي إلى قصر الاتحادية، بعد منازلة شفيق نفسه خلال انتخابات 2012. هذه المرة قد يجد الإسلاميون في الفريق الفرصة الوحيدة، وربما الأخيرة، للعودة إلى الحياة الطبيعية، والتوقف عن الملاحقات الأمنية، فغالبية الأسر الإسلامية، سواء التي تنتمي إلى «الإخوان المسلمين» أو تيارات إسلامية أخرى، يوجد في كل منها شخص واحد على الأقل، إما مطلوب أمنياً أو محبوس على ذمة تحقيقات في قضايا لم تصدر فيها أحكام، أو قضايا صدرت بها أحكام مشددة.
وعلى هذا الأساس، قد ينجح شفيق، الذي يتوقع أن يتعهد بإعادة النظر في أوضاع المحبوسين وظروف إلقاء القبض عليهم، في تحريك هذه الطبقة إلى جانبه، وهو الرجل العسكري الذي بات بمقدوره تحقيق المصالحة مع «الإخوان» على عكس السيسي الذي بات من المستحيل أن تحصل هذه المصالحة في ولايته.


سيحصل شفيق على دعم جزء ليس بالقليل من «صفوة المجتمع»


يتزامن ذلك مع رؤية يرجح أن يسوقها شفيق في أميركا وأوروبا، بشأن قدرته على مواجهة الإرهاب، انطلاقاً من خلفيته العسكرية والمناصب التي تولاها بين الجيش والحياة المدنية، والتي كان آخرها رئاسة الحكومة إبان «ثورة 25 يناير».
إلى جانب ذلك، سيحصل شفيق على دعم جزء ليس بالقليل من «صفوة المجتمع»، ممن باتوا يشعرون بالضيق من السيسي ونظامه اقتصادياً. أما الطبقتان المتوسطة والأقل فقراً، فأصوات المنتمين إليهما قد تميل إلى الفريق باعتباره رمزاً من رموز نظام مبارك، الذي بالرغم من قناعتهم بفساده تبقى أيامه أفضل بنظرهم، وهو ما تعكسه عبارة «ولا يوم من أيام أبو علاء» في إشارة إلى الرئيس المخلوع.
على مستوى النظام السياسي، لن يجد الجيش غضاضة في تسليم السلطة لشفيق إذا فاز عبر الصناديق، ولا يقتصر السبب هنا على تجنب أي اضطراب سياسي أو ضغوط دولية قد تتعرض لها مصر فحسب، ولكن لأن الفريق رجل عسكري في الأساس، ولن يفرق كثيراً وجوده عن وجود السيسي، فالمهم بالنسبة إلى القادة العسكريين دائماً ألا يكون رئيسهم الأعلى «مدنياً».
هذه المعطيات، إذا سارت الأمور بصورة طبيعية، قد تؤدي إلى الدخول في جولة إعادة في السباق الانتخابي. ومن شبه المؤكد أن نتيجة الـ96 في المئة من أصوات الناخبين التي حققها السيسي في انتخابات عام 2014 لن تتكرر مجدداً، إذا اتسمت العملية الانتخابية بنزاهة وشفافية ومن دون تدخل من الدولة بالتزوير، كما كان يحدث إبان حكم مبارك، وهو ما يطرح السؤال: هل يكون طريق شفيق مفتوحاً للاستفادة من التناقضات القائمة، أم أن عقبات قانونية ستعترض هذا الطريق لتحول دون ترشحه من الأساس، وذلك للقضاء على فرص وجوده في السباق مبكراً؟