يثبت يوماً بعد يوم أن قطاع غزة لا يزال يعيش حالة اختبار لكل شيء: المصالحة، والتهدئة، ورفع الحصار الإسرائيلي، وفتح معبر رفح... وغيرها. حالة الاختبار هذه لم تصل إلى نتيجة محسومة بعد في أي من سياقاتها. وحتى التصعيد الأخير بعد قصف العدو الإسرائيلي مواقع للمقاومة، أول من أمس، جراء «سقوط قذائف هاون» على موقع لبناء جدار عازل شمالي القطاع، لم ينه القلق الإسرائيلي من الوضع الميداني والأمني.


فالرواية الإسرائيلية تقول إن الصاورخ الموجه الذي أطلق قبل قذائف الهاون ولم يصب هدفه، واتهم حركة «الجهاد الإسلامي» بأنها وراءه، قد لا يمثل حالة رد كافية للحركة، في مقابل خسارتها الكبيرة عدداً من قيادييها وكوادرها يوم قصف العدو نفقاً يتبع له (12 شهيداً منهم من كوادر «حماس»).
لكن، بعد الرد «المبدئي» الإسرائيلي المعتاد، وهذه المرة بقصف أربعة مواقع للمقاومة (نجم عن ذلك ثلاثة جرحى)، يمكن التقدير بأن مرحلة من الهدوء بدأت، وهو ما تجمع عليه مصادر فلسطينية متابعة، وخاصة أن هذا الحدث، الذي حمّلت إسرائيل، «حماس»، المسؤولية عنه بدرجة أولى، استغلته السلطة الفلسطينية وكذلك مصر، للضغط على «الجهاد الإسلامي» من أجل الاكتفاء بالرد إلى هذا الحدّ. وهنا يأتي اللقاء المباشر بعد التصعيد بين الوفد الأمني المصري، الذي مدد وجوده في القطاع، وبين قيادة «الجهاد».
أما رام الله، فشنت هجوماً موازياً ــ بجانب تصعيدها ضد «حماس» ــ على «الجهاد الإسلامي»، متهمة الأخيرة بأنها تسعى إلى تخريب المصالحة، ليس انطلاقاً من التصعيد الأخير، بل من ملاحظات سجلها وفد «فتح»، وتحديداً مسؤوله عزام الأحمد، على مواقف وأداء وفد «الجهاد» في القاهرة، ولا سيما مطالبة الأخير برفع «الإجراءات العقابية» عن قطاع غزة، لأنها تمس الناس أكثر مما تمسّ «حماس»، وهو موقف شاركت فيه ــ ولو جزئياً ــ فصائل أخرى، منها من هي تحت مظلة «منظمة التحرير» التي تتزعمها «فتح».


احتوى المصريون مجدداً التصعيد الأخير، فيما تهاجم «فتح» «الجهاد الإسلامي»



بالعودة إلى الاجتماع المصري مع «الجهاد»، نقلت مواقع محلية أن الجلسة التي امتدت لساعتين انتهت إلى الاتفاق على «احتواء الموقف بعد التصعيد الأخير، وعدم ترك الأمور تتدهور»، وهو موقف يتوازى مع ما تنقله مصادر في السلطة، عن إبلاغ إسرائيل لهم بأنها ستكتفي إلى هذا الحد من الرد، ولا تريد تصعيداً يجر إلى حرب. كما قال القيادي في الحركة، نافذ عزام، إنه في اللقاءات مع الوفد المصري «كانت وجهات النظر متقاربة»، مضيفاً أن «الثقة عالية بين الطرفين، والوفد المصري حريص على ما يحقق حفظ حقوق الشعب الفلسطيني».
وبشأن الإشكال بين «فتح» و«الجهاد الإسلامي»، قال نائب الأمين العام لـ«الجهاد»، زياد النخالة، في تصريحات متلفزة، إن «ادعاء (الأحمد) بأن الجهاد تسعى إلى إفشال المصالحة الوطنية ادعاء باطل، ومحاولة هرب ورمي الأخطاء والفشل على الآخرين»، مضيفاً: «ادعاء الأحمد مردود عليه ولا يوجد له أي دليل، ويمكن الاستفسار من كل الفصائل حول موقف الجهاد من المصالحة». وأضاف: «موقف السلطة الفلسطينية واضح تجاه المصالحة، فهي ترفع شعار التمكين والسيطرة الكاملة على الوضع في غزة».
وأكد النخالة أن حركته ليست جزءاً من السلطة، ولا تملك وزارات ولا موظفين، «فكيف يمكنها أن تعطل المصالحة؟... المعادلة على الأرض واضحة، والجميع يعرفون أن هناك طرفاً ما يسيطر على الوضع، إضافة إلى أن السلطة هي التي تتحدث عن التمكين وطرد الموظفين وجلب الموظفين القدامى». وتابع القيادي في «الجهاد»: «أنا كمراقب أقول إن الرئيس محمود عباس اشترط أن تحل حماس اللجنة الإدارية، لكي ترفع العقوبات عن غزة، وهذا لم يحدث (رفع العقوبات)»، معبراً في الوقت نفسه عن خشيته من حدوث فوضى في غزة إذا استمرت الأمور بهذه الطريقة.
أما القيادي في الحركة خالد البطش، الذي وجه الأحمد إليه اتهامات مباشرة بأنه وراء تحريض الفصائل على «فتح»، فقال: «نحن نسعى بكل ثمن ونبذل الجهد ونتحمل الضين والضنك لتحقيق المصالحة، ونتحمل الاتهامات من بعض الأشقاء بأننا نفسد مساعي المصالحة، لكن يكفينا حب الفصائل عن اتهامات الآخرين». وأضاف خلال مسيرة في غزة أمس: «إذا كانت هذه الاتهامات... لأنها (الجهاد) رفضت الوصاية الدولية في معبر رفح، ولأنها تمسكت بحق الناس في غزة ورفضت التفريط بحقهم وطالبت برفع العقوبات، وإذا كانت هذه الاتهامات لكي يبرروا الفشل وعدم الإيفاء بالالتزامات الأخرى فهم أحرار».
وعن التصعيد الأخير، قال البطش: «يجب أن تبقى جميع الساحات الفلسطينية في حالة اشتباك مستمر مع العدو، من جنين وحتى رفح مهما كلف الثمن... من دون الاشتباك مع العدو والمحافظة على سلاح المقاومة وإرسال رسائل شعبنا للمحتل بأننا أصحاب الحق والأرض وأن ما دونها الموت والجسد، سيفهم العالم أننا خضعنا للاحتلال». وبعدما وجه «الشكر إلى الراعي المصري على دوره»، قال: «نريد أن نرى السلاح الشرعي ومن ملأ فمه بهذه المصطلحات... أين هو السلاح الشرعي في الضفة؟ ولمَ لم يحمِ الناس في كروم الزيتون ومساجدهم من المستوطنين؟»، في إشارة إلى قتل المستوطنين أول من أمس مزارعاً فلسطينياً قرب نابلس.
إلى ذلك، قُتل أمس جندي إسرائيلي في عملية طعن خلال وقوفه في محطة حافلات في مدينة عراد، الواقعة جنوب مدينة بئر السبع، جنوب فلسطين المحتلة، فيما قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن «مرتكب/ مرتكبَي العملية استطاع الهرب من المكان، ويجري البحث عنه/ عنهما». وقال وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، في تعقيب على العملية، إن «قوات الأمن لن تهدأ قبل أن تضع يدها على منفذ عملية عراد»، وهو ما عاود تكراره رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.
(الأخبار)