الجزائر | يبدو أنّ العمليتين الإرهابيتين الأخيرتين اللتين استهدفتا عناصر من الجيش الجزائري وردّ فعل المؤسسة العسكرية السريع عليهما، ليست إلا عناصر أسهمت في تشكيل مشهد من شأنه إعادة التذكير بعقد التسعينيات الذي عرفت خلاله البلاد مشكلات أمنية كبيرة وحرباً شديدة على الجماعات المسلحة. فبعد العملية التي استهدفت الجيش في ولاية عين الدفلى على بعد 150 كلم جنوب غرب العاصمة، وأدت إلى مقتل تسعة جنود (وفق وزارة الدفاع)، تحدثت مصادر، أمس، عن وقوع عملية إرهابية ثانية غربي العاصمة، استهدفت دورية أمنية وأدت إلى مقتل ثلاثة عناصر من الشرطة.


ولمنطقة عين الدفلى وضع خاص، على اعتبار أنها كانت في بداية التسعينيات معقلاً لمجموعات مسلحة، لكنها استعادت هدوءها في السنوات العشر الأخيرة كباقي مناطق البلاد، ثم عاد الحديث عن عين الدفلى من بيانات وزارة الدفاع التي تعلن دورياً قتل مسلحين إسلاميين فيها.
ورداً على العملية الأخيرة، جاء إعلان المؤسسة العسكرية القضاء على 32 إرهابياً في عمليات تمشيط واسعة شملت مختلف مناطق البلاد وجندت لها قيادة الجيش نحو سبعة آلاف جندي، في وقت «توعد» فيه الوزير الأول، عبد المالك سلال، بالتصدي «للجماعات الإرهابية ولكل الذين يحاولون المس بوحدة الجزائر واستقرارها وأمنها».

مقتل 32 إرهابياً في
عمليات تمشيط واسعة شملت مختلف أنحاء البلاد

وبينما تشكّل تلك الأحداث عناصر قد تعيد التذكير بعقد التسعينيات (أو العشرية السوداء)، فإنّ وقوعها بعد أيام من الاشتباكات التي عرفتها ولاية غرداية (تقع جنوب العاصمة وتوصف بباب الصحراء) وأدت إلى سقوط 23 ضحية، وما تبعها من ارتفاع أصوات لمطالبين بالانفصال، يدفع صوب تساؤلات بسيطة: هل ما يحدث مخطط له، أم إنها المصادفة؟ أم، أيضاً، هي من أخطاء المسؤولين في السلطة؟
ضمن المعارضة الجزائرية، فإنّ أطرافاً مهمة وجهت انتقاداتها الشديدة إلى الخطاب السياسي والسياسة الأمنية التي تنتهجها السلطات، معتبرة أنها من بين أسباب الإرهاب المستمر في البلاد.
في هذا السياق، قال رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، إن «الخطاب السياسي المسكّن بشأن القضاء على الإرهاب واسترجاع السلم واستتباب الأمن، هو خطاب متسرع في استقراءاته، وهو الخطاب الذي قد يؤدي إلى انخفاض مستويات اليقظة التي تبقى مطلوبة من سائر مجتمعنا». ورأى بن فليس، الذي يصفه البعض بزعيم المعارضة، أن «بلدنا لم يضمن بعد الحصانة والمناعة الكاملتين ضد آفة الإرهاب الفتاكة»، مضيفاً أن «رفع التحدي السياسي والأمني (إزاء الإرهاب)... لا يقبل الضعف أو التراخي في مجتمعنا». أما حركة «النهضة» الجزائرية (المحسوبة على التيار الإسلامي)، فدعت السلطة إلى «ضرورة معالجة أسباب التوتر الاجتماعية والسياسية»، مشيرة كذلك إلى أنّ «الطريق السليمة» لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية تبدأ بتصحيح الاختلالات السياسية.
واقع تتابع الأحداث الأمنية وتزامنها نوعاً ما مع أحداث غرداية، دفعت مديرة جريدة «الفجر»، حدة حزام، إلى اعتبار أن «المصالحة» (المصالحة الوطنية عام 2005) هي من قتل الجنود وليس الإرهاب، واصفة «المصالحة» بالأكذوبة الكبيرة «التي خدّرت بها السلطة عقول المواطنين وكبلت إرادتهم، وفرقت صفوفهم، وشتتت قوانينها الجائرة وحدة الصف بعد تلك اللحمة التي عرفناها في سنوات الإرهاب». وتابعت حزام بالقول، إن «سياسة المصالحة بيّضت صحيفة القتلة، وعوضتهم بالمال والمشاريع، وفتحت لهم أبواب وسائل الإعلام فصاروا يروون ويمجدون المجازر التي قاموا بها ضد شعب أعزل، ويهددون كل من ينتقدهم».
وأشارت حزام إلى أنّ «من قتل جنودنا يوم عيد الفطر (في عين الدفلى)، هو التيار السلفي المتعاظم في المجتمع بتشجيع من السلطة في المدرسة، وفي المساجد التي اعترف وزير الشؤون الدينية بأن كثيراً منها يؤمها سلفيون، وفي الأسواق والشارع... في وقت يحفر فيه دعاة الانفصال الأرض تحت أقدام الجزائريين لفتح البلاد على المجهول بحثاً عن تدويل قضية كاذبة».
أما الخبير التونسي في الشؤون الأمنية، مازن الشريف، فاعتبر أنّ «الجزائر باتت هي الهدف حالياً... والمنعرج خطير جداً». ورأى الشريف أن الجزائر تمثّل «القلعة الأخيرة» في العالم العربي «ولو تخترقها الفوضى والفتنة الطائفية ويضربها الإرهاب بشكل مكثف، سيكون ذلك وبالاً على العالم العربي كله وحتى على أوروبا».
في المقابل، فإنّ الخبير الجزائري في الشؤون الأمنية علي زاوي، سار عكس توجهات التصريحات السابقة، موجهاً انتقاداته إلى السلطات الجزائرية، فقال إنّ «لا أحد من السياسيين تنقل لمرافقة الشهداء إلى مثواهم الأخير». وتوجّه إلى الطبقة السياسية متحدثاً: «عار عليكم، نددتم بعملية شارلي إيبدو (في فرنسا)، وهجوم متحف باردو (في تونس)، ولا أحد فيكم يتذكر ما يعانيه أبناء الشعب في أقصى الحدود الجنوبية والشرقية لحماية الوحدة الترابية والحفاظ على الاستقرار».