الرباط | يدخل حزب «العدالة والتنمية»، الذي يترأس التحالف الحكومي في المغرب، منعطفاً جديداً في تاريخه السياسي، بعدما رفض المجلس الوطني (برلمان الحزب)، الأسبوع الماضي، تعديلات تسمح للأمين العام الحالي للحزب عبد الإله بنكيران، بالترشح لولاية ثالثة، خلال مؤتمره الوطني الثامن المزمع عقده نهاية هذا الأسبوع.


ويأتي هذا المؤتمر، الرابع من نوعه منذ تأسيس الحزب عام 1997، في ظروف حساسة يعيشها الحزب الذي يقود الحكومة في المغرب لولاية ثانية على التوالي، منذ عام 2011، وذلك بعد سلسلة أحداث هزّت البيت الداخلي لمن يوصفون بـ«إسلاميي القصر»، وخصوصاً بعد إعفاء أمينهم العام بنكيران من طرف الملك محمد السادس، من تشكيل الحكومة وتعيين سعد الدين العثماني، رئيس برلمان الحزب بدلاً منه. وفضلاً عمّا تقدّم، يعيش الحزب انقساماً بين أعضائه بشأن موضوع التمديد لأمينه العام الحالي وزعيمه التاريخي لولاية إضافية.

مؤتمر تقني

وبحسب ما أفاد به عبد الحق العربي، عضو الأمانة العامة للحزب ورئيس إدارته، في حديث إلى «الأخبار»، فمن المنتظر أن يصل عدد المشاركين في المؤتمر الذي يبدأ اليوم وينتهي غداً، إلى 2400، ضمن كلفة تصل إلى 5 ملايين درهم (أقل بقليل من خمسمئة ألف يورو). وتنتظر المؤتمرين مهمات انتخاب أعضاء «مجلس وطني» جديد (برلمان الحزب)، وأمين عام جديد يُنتخب من طرف المؤتمر مباشرة.
ويعتمد الحزب مسطرة دقيقة في عملية الانتخاب، فمن أجل الحسم في اختيار أعضاء «المجلس الوطني»، تقدّم لكل عضو من أعضاء المؤتمر ورقة تتضمن مجموعة من الأسماء، يختار منها 80 اسماً على الأقل، أو 160 اسماً على الأكثر، من بينهم 25 في المئة من النساء و25 في المئة من الشباب، مع مراعاة تمثيل الجهات وتمثيل مغاربة العالم.
وبعد ذلك، تُشكّل هيئة من «المجلس الوطني» الجديد و«المجلس الوطني» المنتهية ولايته، وتقترح مجموعة من الأسماء لشغل منصب الأمين العام، ليجري عرض هذه الأسماء على المؤتمرين من أجل التصويت. وتعتبر الأسماء التي نالت 10 في المئة من الأصوات مرشحة وتنتقل إلى مرحلة التداول، وعادة ما تُفرز في هذه المرحلة خمسة أسماء. ويحسم المؤتمر الوطني انتخاب الأمين العام فقط، في حين لا ينتخب أعضاء الأمانة العامة الذين ينتخبهم المجلس الوطني باقتراح من الأمين العام الجديد.
ويقول العربي إن المؤتمر الحالي للحزب، وبالرغم من حساسية الظروف التي يُعقد فيها، إلا أنه من دون «أطروحة سياسية». إذ تعوّد الحزب أن يتخذ من مؤتمراته، التي تعقد كل أربع سنوات، محطة لمناقشة الأطروحات السياسية، التي تؤطّر خطه السياسي في المرحلة المقبلة. ويُعزى غياب النقاش في الطرح السياسي للحزب، إلى حالة للخلافات الحادة بين قياداته منذ تشكيل حكومة العثماني، في نيسان الماضي، خلفاً لبنكيران، وهو الأمر الذي أفرز استقطاباً حاداً، خلال جلسة التصويت على تعديلات القوانين الداخلية داخل برلمان الحزب، أثناء اجتماع هذا الأخير قبل أسبوعين.


التيار الرافض لاستمرار بنكيران يستند إلى دعم من «التوحيد والإصلاح»


كذلك، شدد العربي على أن «موضوع الولاية الثالثة انتهى، ولا يمكن الرجوع إلى النقطة الصفر»، في إشارة إلى قضية التمديد لبنكيران. واستطرد قائلاً: «الآن، نشارك في الحكومة، وإذا تبيّن أن مشاركتنا لا تنفع المجتمع والدولة، فإننا سنذهب إلى المعارضة».
وبحسب القيادي في الحزب الإسلامي، فإن ما أثاره النقاش بشأن «استمرار بنكيران من عدمه» من جدل داخل الحزب وداخل الساحة السياسية المغربية بصفة عامة، كان في مصلحة حزبه وفي مصلحة الحياة السياسية المغربية، لأنه «لأول مرة نرى نقاش مواد بعينها من القانون الداخلي للحزب يصل إلى قنوات عالمية، ويطرح على صفحات صحف دولية كبيرة، بما يفيد بأن هذا الحزب أصبح رقماً صعباً داخل الساحة السياسية المغربية».
وما بين الحرص على الديموقراطية الداخلية، والخوف من الصدام مع القصر، ينظر مهتمون ومتابعون للشأن السياسي المغربي، إلى كون قرار إبعاد بنكيران من التنافس على الأمانة العامة لحزبه، رسالة سياسية من برلمان الحزب، إلى القصر الملكي، وفي الوقت ذاته يشكل فرصة للتأكيد أن هذا الحزب يحافظ على ديموقراطيته الداخلية.
لكن النقاش بشأن التمديد لزعيم الحزب التاريخي، أدى إلى انقسام داخلي حاد بين مؤيدين ومعارضين للولاية الثالثة. وكشف لأول مرة في تاريخ هذا الحزب عن وجود تيارين داخله: تيار يدعو إلى التمديد لبنكيران من أجل مواصلة المعركة ضد ما تصفه تعابير قيادية الحزب بـ«التحكم»، في إشارة إلى «الدولة العميقة» في المغرب، وتيار آخر يعتبر أنه لا يمكن أن يسير الحزب برأسين، رأس في الحكومة ورأس في الحزب، وأنه «لا يمكن الاستمرار في الخط السياسي لبنكيران، الذي أدى إلى خصومات سياسية مع أحزاب ومؤسسات داخل الدولة».
ويستند الرافضون لمنح ولاية ثالثة لبنكيران، إلى وجود اعتبارات أساسية على رأسها الخوف من مواجهة القصر في حالة التمديد لزعيمهم الصدامي. لكنّهم يبررون ذلك بضرورة الحرص والحفاظ على الديموقراطية الداخلية للحزب، التي تعتبر إحدى أهم نقاط قوته مقارنة مع أحزاب أخرى، وعدم تكريس منطق الزعيم على ظهر المؤسسات.
ويظهر من خلال الفرز الذي أشاح عنه هذا الاستقطاب داخل قيادة الحزب، أن التيار الرافض لاستمرار بنكيران يستند إلى دعم قوي من حركة «التوحيد والإصلاح» التي تعتبر الذراع الدعوية للحزب، وتضم أكثر أطره محافظة. وقد انضم وزراء في الحكومة الحالية، على رأسهم رئيس الحكومة، إلى أنصار معارضي الولاية الثالثة. وبالتالي فالتخلص من بنكيران، الذي قاد الحزب إلى انتصارات انتخابية غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب السياسية المغربية، وقاد أول حزب إسلامي مغربي إلى رئاسة الحكومة، أصبح أمراً واقعاً، والمؤتمر لن يفعل سوى تزكيته.
لكن أنصار التمديد لبنكيران لم ييأسوا، واستبقوا انعقاد المؤتمر بطرح سيناريو التجديد لأمينهم العام، رغم اعتراض مؤسسات الحزب ممثلة في الأمانة العامة والمجلس الوطني. ومن أجل الانتصار لولاية ثالثة، يدفع هؤلاء بآخر أوراقهم استناداً إلى النظام الأساسي للحزب المعدل عام 2012، وحدّد ولاية المسؤوليات الحزبية بما فيها الأمانة العامة في عهدتين اثنتين، إلا أن القانون ذاته نص في المادة 105 على أن هذا التعديل لا يطبّق بأثر رجعي. وبما أن بنكيران وقتها كان أميناً عاماً للحزب في ولايته الثانية، فإن التعديل لا يسري عليه.